|
|||||
|
|
|
#1 |
|
مدير عام
تاريخ التسجيل: Dec 2009
المشاركات: 1,115
|
لمسات بيانية منوعة للدكتور فاضل السمرائي وغيره :
كيد بـ(اللام) في كلمة (للآخرة) فيه اختلاف مع آية سورة النجم (فلله الآخرة والأولى) فما الحكم البياني في هذا التوكيد في سورة الليل؟ التوكيد في سورة الليل جاء مناسبا لسياق الآيات، فسياق الآيات في سورة الليل جاء كله في الأموال وامتلاكها والتصرف فيها (فأما من أعطى) والمعطي لا بد أن يكون مالكا لما يعطيه، (وأما من بخل واستغنى) والبخيل هو أيضا مالك للمال لأنه لو لن يكن يملكه فبم يبخل؟ وكذلك الذي استغنى وهو من الغنى ثم ذكر المال (وما يغني عنه ماله إذا تردى) و (الذي يؤتي ماله يتزكى) فالسورة كلها في ذكر الأموال وتملكها والتصرف فيها فلذا ناسب التوكيد باللام هنا لأن الآخرة والأولى من الملك لله حصرا. أما في سورة النجم فسياق الآيات ليس في المال ولا في التملك أصلا فلم يؤكد باللام. في الآية جاءت كلمة (الأولى) مقابل (الآخرة) ولم ترد مثلا كلمة (الدنيا) مقابل (الآخرة) ما الحكم في استخدام الأولى بدل الدنيا؟ الحقيقة أولا وللعلم لم يرد في القرآن الكريم كله ولا مرة واحدة لفظ الدنيا مع الآخرة إنما ورد دائما كلمتي الأولى والآخرة. ولهذا أسبابه البيانية: الأولى أعم من الدنيا في الاستعمال القرآني وفي اللغة أيضا. القرآن يستعمل الدنيا لما يحيا فيه الإنسان ويعيش كقوله تعالى: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة) و (اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة) و (متاع الدنيا قليل)، أما الأولى فتستعمل عامة لما يعلمه الإنسان وما لا يعلمه من أمر السموات والأرض فكلها الأولى. فالأولى إذن أوسع من الدنيا. ولما أراد الله تعالى أن يذكر سعة الملك في سورة الليل ناسب أن يأتي بكلمة الأولى التي هي أعم وأوسع. (1/211) ________________________________________ الثاني أن كلمة الدنيا نفسها هي مؤنث الأدنى ومن معانيها الأقرب والأخس والدون والأقل كما في قوله تعالى (أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير) فلما أراد الله تعالى أن يذكر في سورة الليل سعة ملكه وعظمته لم يناسب ذكر كلمة الدنيا التي قد تحتمل في معانيها (الدون أو الأقل). إذن كلمة الدنيا لا تناسب هنا من حيث الدلالة اللغوية واشتقاقها ومن حيث السياق أيضا. - قوله ( فأنذرتكم نارا تلظى - لا يصلاها إلا الأشقى - الذي كذب وتولى - ) . هذه الآيات مرتبطة بقوله تعالى (إن علينا للهدى* وإن لنا للآخرة والأولى) لأن هذا من الهدى ، أنذرنا هو من الهدى الذي ينبه الله تعالى منه (إن علينا للهدى) وهذا في الآخرة فهي مرتبطة بـ (وإنا لنا للآخرة). وفي سورة الليل ذكر الله تعالى الإنذار ولم يذكر التبشير ولذلك اقتصر على ذكر النار ولم يذكر الجنة لأن ذكرها تبشير وليس هنا مقام التبشير. كما ذكر للأشقى صفتين: التكذيب والتولي، (الذي كذب وتولى) كذب: بمعنى كذب بكل مفردات الإيمان، وتولى بمعنى أدبر عن الطاعات واشتغل بالمعاصي. فجاءت كذب مقابل (وصدق بالحسنى) وتولى وقابل (أعطى واتقى) لأن عدم العطاء من التولي. وهذه الآية (لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى) توكيد للآية السابقة (وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى) وهي أعم منها أيضا لأن التولي أعم من البخل والاستغناء فالتولي لا يقتصر على البخل والاستغناء إنما هو تولي عن كل الطاعات وإدبار عنها عموما. وكذب أعم من (كذب بالحسنى) لأنه كذب بالحسنى وبغير الحسنى. إذن لما عم السوء وانتشر أصبحت العاقبة أشد من الأولى و لما كان هذا أعم كانت العاقبة أسوأ لأن الأول بخل واستغنى وكذب بالحسنى وهذا كذب عموما وتولي عام لذا كان يجب أن تكون العقوبة أسوأ، أولا وصفه بالأشقى وذكر أن له نارا تلظى أما في الآيات السابقة اكتفى بـ (فسنيسره للعسرى) وهذه العاقبة أخف. (1/212) ________________________________________ ما الحكمة في الإتيان بفعل (فأنذرتكم) بصيغة الماضي وقد ورد هذا الفعل بصيغة المضارع في آيات أخرى في القرآن؟: جاء الفعل بصيغة المضارع لأن الله تعالى أنذرهم هنا بشيء واحد ألا وهو نارا تلظى بمعنى شيء واحد وانتهى، كما في قوله أيضا (فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود) و(إنا أنذرناكم عذابا قريبا). أما في قوله تعالى (إنما أنذركم بالوحي) فالإنذار هنا مستمر طالما الوحي مستمر بالنزول ولا ينتهي لذا جاءت صيغة الفعل المضارع. ما الحكم البلاغي في مجيء الآية (فأنذرتكم نارا تلظى) بدون توكيد على خلاف ما جاء في سورة النبأ (إنا أنذرناكم عذابا قريبا). سورة النبأ فيها توكيد لأن الإنذار في سورة النبأ متسع ومتكرر من أول السورة إلى أوسطها إلى آخرها (كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون) (إن جهنم كانت مرصادا للطاغين مآبا،...جزاء وفاقا..فذوقوا ..) (إنا أنذرناكم عذابا قريبا) فهو إنذار متسع طويل وفيه بسط ومتصل ومكرر فهو أدعى للتوكيد من سورة الليل. أما في سورة الليل فلم يرد الإنذار إلا في آية واحدة لذا لا تحتاج إلى توكيد. - قوله ( وسيجنبها الأتقى - الذي يؤتي ماله يتزكى - ) . لماذا لم ترد الآية على نفس سياق ما قبلها (ولا يجنبها إلا الأتقى) لا تصح لأن في هذا جلالة على أنه لن يجنبها إلا الأتقى بمعنى أن المتقون لن يجنبوها وفي هذا ظلم للمتقين وحاشا لله أن يكون هذا. وهذا من رحمة الله تعالى بعباده لأن معنى الآية أن الله تعالى يجنب الأتقى وغير الأتقى أيضا فرحمته سبقت غضبه. في العذاب حصر (لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى) وفي الرحمة أطلق سبحانه هو الرحيم. إجمالا في هذه الآية والتي قبلها ذكر مقابل الأشقى الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى. فالصفة العليا (الأتقى) الذي يؤتي ماله (الوصف الأعلى للإنفاق ولم يقل من ماله إنما قال ماله ولم يقل المال) والتزكي (أعلى درجات التصديق). (1/213) ________________________________________ في السيئة بدأ من الخاص إلى العموم (أما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى) وفي الحسنة ترقى من الأفضل إلى الأفضل (الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى) أعطى مقابل يؤتي ماله، واتقى مقابل الأتقى وصدق بالحسنى مقابل يتزكى لأن صدق بالحسنى هي أعلى الدرجات لأن فيها الإخلاص. سيجنبها: استخدم الفعل بصيغة المبني للمجهول فلماذا لم يستخدم الفعل (سيتجنبها)؟ الآية فيه تحذير وإنذار عظيم إلى الناس لأن الأتقى لا يتجنبها بنفسه وإنما الأمر يعود إلى خالق الخلق وخالق النار ، فالله تعالى هو الذي يجنب عباده النار ولا أحد يستطيع أن يتجنبها بنفسه أبدا. ونظير هذه الآية ما جاء في قوله تعالى (فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز) (وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا) سورة مريم. لا يستطيع الناس أن ينجوا بأنفسهم من النار ولو كان أحدهم الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى إنما ألمر يعود لخالق الناس وخالق النار سبحانه. (1/214) ________________________________________ جاء في كثير من الآيات في القرآن الكريم قوله تعالى (ينجي الله) (ننجي الذين اتقوا) فما الحكمة في الآية هنا (سيجنبها الأتقى)؟ هناك فرق بين التجنيب والتنجية. التنجية قد تكون بعد الوقوع في الشيء ومعاناته كما في قوله (وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب) بمعنى أنهم ذاقوا العذاب ثم نجاهم الله تعالى فكانت النجاة بعد الوقوع في المكروه. وكذلك قوله تعالى (ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا) بعدما وقعوا في النار ينجي الله تعالى الذين اتقوا. وكذلك في قصة سيدنا يونس - عليه السلام - (فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين) سورة الأنبياء، آية 88، كان قد وقع في الكرب ثم نجاه الله تعالى منه . إذن النجاة تقع بعد الوقوع (ننجي الذين اتقوا). أما التجنيب فهي التنحية بمعنى أنه لا يقع في المكروه أصلا (سيجنبها الأتقى) والأتقى في المرتبة الأعلى فهو لا يقع في التجربة أصلا. إذن مع اتقوا يستعمل القرآن لفظ (التنجية) ومع الأتقى يستعمل (التجنيب). - قوله ( وما لأحد عنده من نعمة تجزى - إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى - ولسوف يرضى - ) . عندما يؤتي ماله ليس لأحد فضل عليه يؤديه له وإنما يفعله لوجه الله تعالى وعمله غير مشوب بشائبة فهو لا يرد معروفا لأحد وإنما ابتغاء وجه الله من غير توقع رد جميل وإنما هو خالص لوحه الله وهذا هو منتهى الإخلاص. ليس لأحد فضل فيجازيه عليه وإنما يفعله خالصا لوجه الله تعالى. (1/215) ________________________________________ ولسوف يرضى: فيها احتمالين أن تكون للشخص الذي يرضى بثوابه في الآخرة (الأتقى الذي أعطى ماله) أو هو الذي يبتغي وجه ربه الأعلى إذن سيرضى الله عنه، وهي الحالتين معا سيرضى بثوابه فيما أعج الله تعالى له من كرامة ورضوان الله أعلى شيء ( ورضوان من الله أكبر) أكبر من الجنات. وقالوا في الأثر: تحتاجون لعلمائكم في الجنة كما كنتم تحتاجون إليهم في الدنيا قالوا كيف يا رسول الله قال يطلع الله على أهل الجنة فيقول سلوني سلوني ولا يعرفون ما يسألونه فيذهبون إلى علمائهم فيقولون ماذا نسأل ربنا فقالوا اسألوه رضوانه وهو أعلى شيء. الخطوط التعبيرية في السورة: خط العموم، خط المقابلة، خط التفضيل. خط العموم: السورة كلها في العموم من قوله تعالى (والليل إذا يغشى) لم يذكر تعالى ناذا يغشى و(النهار إذا تجلى) (وما خلق الذكر والأنثى)، (إن سعيكم لشتى) (فأما من أعطى ) أطلق العطاء وأطلق جهة العطاء وأطلق اتقى ماذا اتقى. النار، غير النار، (صدق بالحسنى) ما هي الحسنى؟ (فسنيسره لليسرى) ما هي اليسرى؟ لمسات بيانية في سورة البلد - قوله ( لا أقسم بهذا البلد - وأنت حل بهذا البلد - ووالد وما ولد - لقد خلقنا الإنسان في كبد - ) . إطلالة عامة على السورة: لو نظرنا في السورة وعلاقتها بما قبلها أي (سورة الفجر)، قال تعالى في سورة الفجر (فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن) ذكر الإنسان الغني والفقير، الذي قدر عليه رزقه والذي أغناه. وفي سورة البلد ذكر الذي أهلك المال والفقير. ثم إن ربنا تعالى وصف الإنسان في سورة الفجر بقوله: (كلا بل لا تكرمون اليتيم ولا تحاضون على طعام المسكين) وفي سورة البلد وصانا تعالى بالرحمة بهذين الضعيفين بقوله: (أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة). (1/216) ________________________________________ والأمر الآخر أن هناك ترابط بين السورتين بدليل: قال تعالى في سورة الفجر: (وتأكلون التراث أكلا لما)، وقال في سورة البلد: (أو إطعام في يوم ذي مسغبة) فكما تأكل يجب أن تطعم. في سورة البلد على العموم استوفت كل عناصر البلاغ والإرسال: موطن الرسالة (لا أقسم بهذا البلد) والرسول (وأنت حل بهذا البلد) والمرسل إليه وهو الإنسان (ووالد وما ولد) والرسالة وهي الإيمان والعمل الصالح (ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة) وأصناف الخلق بالنسبة للإستجابة للرسالة (أصحاب الميمنة وأصحاب المشئمة). - قوله ( لا أقسم بهذا البلد ) ما دلالة (لا) في القسم؟ أولا لم يرد في القرآن كله (أقسم بـ) أبدا، كل القسم في القرآن ورد باستخدام (لا) كقوله تعالى: (لا أقسم بمواقع النجوم) (ولا أقسم بالخنس) (فلا وربك لا يؤمنون) وهكذا في القرآن كله. فما هي (لا)؟ اختلف النحاة في دلالة (لا): كلام عام من (لا أقسم عموما) يقولون (لا) زائدة لتوكيد القسم بمعنى (أقسم) مثال قولنا: والله لا أفعل معناها لا أفعل، ولو قلنا: لا والله لا أفعل معناها لا أفعل، لا يختلف المعنى والقسم دلالة واحدة. وقسم يقولون هي للنفي (أي نفي القسم) والغرض منه أن الأمر لا يحتاج للقسم لوضوحه فلا داعي للقسم، وقسم قال أنها تنفي لغرض الإهتمام كأن تقول لا أوصيك بفلان (بمعنى لا أحتاج لأن أوصيك). وفي السورة (لا أقسم بهذا البلد) تدور (لا) في كل هذه الأمور على أنها توكيد للقسم بمعنى (أقسم بهذا البلد)، إذن الغرض للتوكيد لأن الأمر فيه عناية واهتمام. - قوله ( وأنت حل بهذا البلد - ) ما اللمسة البيانية في قوله تعالى (حل) عوضا عن كلمة حال أو مقيم؟ (1/217) ________________________________________ بداية السورة (لا أقسم بهذا البلد - وأنت حل بهذا البلد - ووالد وما ولد - لقد خلقنا الإنسان في كبد - ) المعنى العام أنه أقسم أو لم يقسم بهذا البلد في وقت حلول الرسول في البلد أنه خلق الإنسان في الشدائد لكن يبقى السؤال (وأنت حل) ما معنى حل؟ الرأي الأشهر أنه الحال والمقيم أي بمعنى وأنت حال في البلد تبلغ دعوة ربك وتلقى من الأذى ما تلقى. إذا كان هذا هو المعنى فلماذا لم تأتي كلمة (حال) بدل (حل)؟ لأن كلمة (حل) لها أكثر من دلالة ولا تقتصر على الدلالة المتبادرة للذهن: (حل) تأتي بمعنى اسم المفعول أي بمعنى (مستحل) (على صيغة وزن من أوزان أسماء المفعول مثل الطحي من طحينا والذبح، ما يعد للذبح، والحمل أي الذي يحمل). لأن صيغة فعل هي من جملة أوزان أسماء المفعول الذي له أكثر من ثمانية أوزان (فعل مثل سلب ونهب). لا أقسم بهذا البلد وأنت مستحل قتلك لا تراعى حرمتك في بلد آمن يأمن فيه الطير والوحش (إذا كانت لهذا المعنى فلا تكون نافية). وتأتي (حل) بمعنى حلال (حل، حلال، حلة) أي بمعنى حلال أن تقتل وتأسر من تشاء في ذلك البلد وذلك في يوم الفتح لأن أهل البلد جاءوا بما يستحلون به حرمتهم فرفعت الحرمة عنهم فأصبح حلا فتكون لا للنفي. وهذه المعاني كلها مادة وهو ما يسمى بالتوسع في المعنى. لا أقسم بهذا البلد وأنت حال في هذا البلد تلاقي ما تلاقي وأنت مستحل لا تراعى حرمتك وأنت حلال بهذا البلد تقتل من تشاء وتأسر من تشاء في وقت من الأوقات (هذه كلها تشير إلى معاني كلمة حل) ومرتبطة بمعاني (لقد خلقنا الإنسان في كبد). ولو جاء باسم الفاعل (حال) لاقتصر على معنى واحد من هذه المعاني المتعددة لكن المطلوب كل هذه المعاني فجاءت كلمة (حل) لمناسبتها لمقتضى المعنى. (1/218) ________________________________________ قال تعالى في آية أخرى في القرآن ( وهذا البلد الأمين) فما الحكمة في أن يرد القسم في سورة البلد (لا أقسم بهذا البلد) بدون استخدام كلمة الأمين؟ هذا لأن جو السورة كلها فيه ذكر للمكابدة والمشقة واستحلال الحرمات وما أصاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - في هذا البلد وليس في السورة مجال لذكر الأمن، فالرسول والصحابة ليسوا آمنين في هذا البلد والرسول - صلى الله عليه وسلم - حل يفعل ما يشاء يوم الفتح فارتفعت عن البلد صفة الأمن في هذه السورة، فجو السورة كلها من أولها إلى آخرها ليس فيه أمن وأمان حتى في نهاية السورة لم يذكر جزاء المؤمنين (أولئك أصحاب الميمنة) إنما اكتفى تعالى بذكر جزاء الكافرين (والذين كفروا بآيتنا هم أصحاب المشئمة عليهم نار مؤصدة). لا يوجد أمن في البلد ولا الجو العام في السورة فيه أمن. ما اللمسة البيانية في تكرار كلمة (البلد)؟ فلماذا لم ترد مثلا : وأنت حل به؟ لو لاحظنا كلام العرب لوجدنا أنهم يكررون في مواطن التحسر أو التعظيم أو التهويل لأنه أبلغ كما في قوله تعالى (القارعة ما القارعة) و(الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة) هنا تأتي للتهويل. وكما في قوله تعالى (أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون، أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون، أفأمنوا مكر الله) هنا التكرار للتعظيم. وفي سورة البلد تكرار كلمة (البلد) هي في مقام التعظيم. ويذكر أيضا سبب آخر للتكرار وهو أن البلد المقصود به مكة وهو بلد حرام لا يسفك فيه دم ولا يروع فيه آمن ولكن الله تعالى أحل لرسوله - صلى الله عليه وسلم - في يوم الفتح أن يفعل ما يشاء من قتل أو أسر فكأنما البلد صار غير البلد في يوم الفتح فأصبح له صفتان: حالة الحل وحالة الحرب وكأنه أصبح بلدين فكرر سبحانه كلمة البلد لتكرار الوصف. - قوله ( ووالد وما ولد - ) (1/219) ________________________________________ لهذا التعبير عدة دلالات: قسم قال المقصود به الإنسان (آدم وذريته)، وقسم قال أن المقصود كل والد وما ولد من الأناسي والبهائم ولذا لم يقل ومن ولد وإنما قال وما ولد (المقصود به العموم وليس الخصوص ومن جملته آدم وذريته) وخصص بعد. أما ارتباطه بالمقسم عليه فهو أن جواب القسم (لقد خلقنا الإنسان في كبد) والكبد هو المشقة والشدة، والولادة هي المكابدة والشدة والمشقة فإذن ارتبطت بقوله (لقد خلقنا الإنسان في كبد) ثم ارتبطت بآخر السورة (وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة) لأن الوالد يحتاج في تربية ولده إلى صبر ومرحمة سواء كان من الأناسي أو البهائم ولولاهما لما استطاع تربية أبنائه. وهي مناسبة لجو السورة الذي كله يقوم على المكابدة والمشقة والصبر والمرحمة والإطار العام للسورة ، وارتبط بما كان يلاقيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - من مكابدة ومشقة. - قوله ( لقد خلقنا الإنسان في كبد - ) ما هو ارتباط الجواب بالقسم وما هي دلالة كبد؟ الكبد له أكثر من دلالتين فهو يعني: الشدة والمشقة: يكابد مشاق الدنيا والآخرة ولم يقل خلقنا الإنسان مكابدا. (في كبد) تعني أنه مغمور في الشدائد والمشقات منذ قطع سرته والمشاق تحيط به وهو منغمر فيها إلى أن يقتحم العقبة فأما أن ينجو أو أن يكون في النار. للقوة والصلابة والشدة: والكبدة هي القطعة من الأرض الصلبة يقال (أرض كبداء) لأن الذي خلق للمشاق ينبغي أن يكون متحملا للشدائد فهي من لوازم المعنى الأول. أما ارتباط الجواب بالقسم: السورة كلها مبنية على هذا الأمر أي الكبد وكل تعبير مبني على ذلك. لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد وقد ذكرنا عدة معاني لكلمة (حل) فإذا كان المعنى الأول أي بمعنى (حال) فهو يلقى من قومه ما يلقاه من العنت فهو في كبد مم يلاقيه من المشقة وهو يلقاها بقوة وثبات وتحمل. (1/220) ________________________________________ وإذا كان بمعنى (مستحل) لا تراعى حرمته فهو دليل على أنه في كبد يحارب من قومه ويحاولون قتله. وإذا كلن المقصود المعنى الثالث وهو (حلال في البلد) أي ضد الحرام فهو - صلى الله عليه وسلم - يحل له أن يقتل ويأسر إذن فالكفار هم في كبد ومشقة وعنت أما المسلمون ففي قوة، وهكذا ارتبط الجواب بالقسم فمن كل ناحية وفي كل معنى من المعاني. وكذلك ارتباط (ووالد وما ولد) فالولادة مشقة وعنت وتحتاج إلى مثابرة وقوة للتربية، كما هي مرتبطة بما بعدها من اقتحام العقبة ومشاق الجوع في يوم ذي مسغبة. - قوله ( أيحسب أن لن يقدر عليه أحد - يقول أهلكت مالا لبدا - أيحسب أن لم يره أحد - ألم نجعل له عينين - ولسانا وشفتين - وهديناه النجدين - ) (1/221) ________________________________________ بعد قوله تعالى (لقد خلقنا الإنسان في كبد) وذكرنا أن من معاني الكبد المشقة والشدة والصلابة ثم قال تعالى (أيحسب أن لن يقدر عليه أحد) هذا الحسبان موجه لمن؟ قسم من المفسرين يقول هو موجه للذي يستضعف المؤمنين (وأنت حل بهذا البلد) بمعنى يحلل دمك ويعذب جماعتك، والذي يفتن المؤمنين ويعذبهم. وقسم من المفسرين قال أنه الخطاب ليس مقصورا على هذا الجنس بالذات وإنما هو موجه للإنسان عموما فالإنسان الذي خلقه الله تعالى مكابدا للشدائد ينبغي أن يكون قادرا على تحمل الشدائد فالذي خلق صلبا شديدا مكابدا أيحسب أن لن يقدر عليه أحد وهذا الحسبان يكون في نفوس البشر لأن البشر يظنون أن لن يقدر عليهم أحد فيظلم بعضهم بعضا ويضرب بعضهم رقاب بعض. فالبشر يرون أن لن يقدر عليهم أحد والذين يستضعفون المؤمنين يظنون أن لن يقدر عليهم أحد. والله تعالى سبحانه ذكر في هذه الآية والآية التي بعدها أمرين عظيمين يعتصم بهما الإنسان ويعتقد أن لا أحد يتمكن منه وهذان الأمران هما المال والقوة يعتصم بهما الإنسان ويرى أنهما أداتا الضغط والتسلط على الآخرين. وقد جمع القرآن الكريم بين هذين الأمرين للدلالة على التسلط كما في قوله تعالى: (هماز مشاء بنميم* مناع للخير معتد أثيم* عتل بعد ذلك زنيم* أن كان ذا مال وبنين) سورة القلم آية 11 – 14. فالشعوب المستعمرة يجتمع لها عادة هذين الأمرين كما جاء في قوله تعالى مخاطبا بني إسرائيل في سورة الإسراء (ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا) آية 6. - قوله ( أيحسب أن لن يقدر عليه أحد - يقول أهلكت مالا لبدا - ) هذا الخطاب موجه للإنسان عموما الذي خلقه الله تعالى لإصلاح الحياة. (1/222) ________________________________________ أهلكت: تأتي بمعنى الإنفاق فما اللمسة البيانية في استخدام كلمة أهلكت بدل أنفقت؟ هذه هي الآية الوحيدة في القرآن كله التي استعمل فيها الإهلاك مع المال، عادة تأتي الإنفاق لكن اختيار كلمة أهلكت في هذه السورة مناسب لجو السورة ومناسب لما تقدمها ولما يعانيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في لحظات الشدائد التي أدت إلى إهلاك بعضهم ومناسب للعقبة ومناسب ليوم ذي مسغبة لأن الذين لم يطعموا في ذلك اليوم أهلكوا ومناسب مع أصحاب المشئمة الذين أهلكوا ومناسب لكل إنفاق بغير وجه مناسب لأنه يعتبر إهلاكا للمال وليس إنفاقا في الخير. إذن جو السورة هكذا في إهلاك المال بغير وجهه وكل السورة مشقة وإهلاك (الكبد، سلوك النجدين، اقتحام العقبة، المشئمة والمسغبة) فكان استخدام كلمة إهلاك أنسب وأفضل كلمة تؤدي المعنى المطلوب الذي يقتضيه جو السورة وسياق الآيات فيها. كلمة لبدا: لبد معناها الكثير المجتمع. وفيها احتمالان: قد تكون مفرد صيغة مبالغة (صيغة فاعل) مثل همز وحطم أو جمع (لبدة) مثل نقطة نقط. ليس معناها الكثير فقط لكن الكثير المجتمع وهي مناسبة لاجتماع الكفرة على الرسول - صلى الله عليه وسلم - مثل قوله تعالى في سورة الجن (وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا) وهو مناسب للإهلاك وجو الإجتماع في أكثر من موطن في جو السورة (ووالد وما ولد، العينين في آلة الإبصار، اللسان والشفتين في آلة النطق، النجدين، تفسير العقبة بجملة أمور منها اجتماع الذين آمنوا على التواصي بالحق والتواصي بالمرحمة، واجتماع الكفرة في النار وأوصاد النار عليهم) لو قال تعالى (كثيرا) لا يؤدي المعنى المطلوب لجو الإجتماع في السورة. الكثرة لا تنفي الإجتماع لذلك اختيار الإهلاك واللبد متناسب جدا من الناحية البلاغية والفنية لجو السورة. - قوله ( أيحسب أن لم يره أحد ) (1/223) ________________________________________ يقول أهلكت مالا لبدا هذا الذي يدعي إهلاك المال أيحسب أن لم يره أحد أنه أنفق المال في أمور لا يحب أن يطلع عليها الآخرين وقد تكون في أمور سرية؟ قال لم يره أحد أي راقب الشخص لم يقل أيحسب أن لم يعلم به أحد لكنه قال يره لأن الرؤية أهم وأخص من العلم وهناك فرق بين العلم بالشيء ورؤيته. فالرؤية هي التي تدل على تفاصيل الأمور ومراقبتها لذا فالرؤية أخص. ويره هنا من المراقبة لأن الله تعالى يراقب ويعلم كل ما يقوم به المخلوقات. لماذا جاءت هنا (لم يره أحد) وسابقا (لن يقدر عليه أحد) : ألم يره أحد في هذا الإنفاق والمفروض أن هذا الحسبان والإدعاء أنه فعل ماضي (ماضي فيما فعل وما ادعى أنه فعل) وتأتي الآية فيما بعد (أيحسب ألن يقدر عليه أحد) بعد استكمال الأمور أي في المستقبل بعد أن يغتر بقوته واستكمال قوته أي تأتي مستقبلا (أيحسب أن يعتصم بهذه الأمور وأيحسب أن هذه الأمور تنجيه) لذا جاء التعبير بالمضارع وهذا ما يقتضيه السياق. - قوله ( ألم نجعل له عينين - ولسانا وشفتين - ) أراد الله تعالى أن يدلل على قدرته وعلمه فقال تعالى: ألم يجعل الله للإنسان عينين ليبصر بهما ، ألا يراه؟ هو سبحانه الذي أعطاه ليبصر ألا يراه؟! وهو سبحانه الذي هداه للطريق ألا يعلم ما يفعل؟! ونلاحظ تناسب الكلمات: جاءت كلمة عينين وهما أداة الرؤية مقابل قوله تعالى (أيحسب أن لم يره أحد) وجاءت كلمة لسانا وشفتين مقابل قوله تعالى (يقول أهلكت مالا لبدا) واللسان والشفتين هما أداة النطق. فكأنما سبحانه وتعالى جعل الدليل على علمه وقدرته بما أعطاه للإنسان من وسائل ليستعملها. - قوله ( وهديناه النجدين - ) (1/224) ________________________________________ النجد هو التعبير الوحيد المستعمل في القرآن فقد ورد في القرآن كلمة السبيل والصراط والنجد يعني الطريق المرتفع. وأغلب المفسرين يقولون لا يكون إلا قفا وصلابة في الأرض في ارتفاع مثل الجبل. وأغلب المفسرين قالوا أنه يعني طريق الخير وطريق الشر. واختيار كلمة النجد مناسب تماما لجو السورة فلم يقل هديناه السبيل لأن السبيل هو الطريق السهل الميسر الواضح التي يكثر السير فيها، أما سلوك النجد ففيه مشقة وصعوبة ومناسب لجو السورة وما فيها من مشقة ومناسب للمكابدة في جو السورة. وسلوك النجد يحتاج إلى قوة وفيه شدة وصعوبة ومناسب للكبد في السورة. إذن فالنجدين تتواءم مع السورة من حيث القوة والمشقة والمكابدة. ومن معاني النجد: الثدي. وما عليه عامة المفسرين وعن الرسول - صلى الله عليه وسلم - (لا يكن نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير) وهذا الأقرب. إذا استخدمت الهداية مع النجدين فهي تكون بمعنى الدلالة على الطريقين طريق الخير وطريق الشر (تبصرة للطريق فقط) أي يرشده إلى الطريق، لأن الطريق قد تكون مودية إلى الجحيم. إذن هي تبصرة للطريق فقط (كتب عله أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير). - قوله ( فلا اقتحم العقبة - وما أدراك ما العقبة - ) (1/225) ________________________________________ نظرة عامة على هذه الآيات: هذه الآية هي بعد قوله تعالى (وهديناه النجدين) والنجدين كما أسلفنا هو الطريق المرتفع في الأرض ثم قال بعدها (فلا اقتحم العقبة) والعقبة هي طريق في الجبل وعر أو الجبل الطويل بعرض الطريق (طويل صعب شديد) هذا في العقبة أما الإقتحام فهو الدخول والمجاوزة بشدة ومشقة (والقحمة هي الشدة والمهلكة) . فلو لاحظنا اختيار العقبة مع اقتحم وبعد النجدين لوجدنا أن النجد وهو الطريق المرتفع يؤدي إلى العقبة من حيث سلوك الطريق، والعقبة تقع عادة بعد النجاد أو في المرتفعات من الأرض إذن وضع العقبة بعد النجدين ومع كلمة اقتحم هو وضع طبيعي حدا وهو من الناحية البلاغية البيانية الفنية ذروة البلاغة من حيث الإختيار. ثم إن الله تعالى فسر العقبة بما يتبعها من آيات (فك رقبة، إطعام في يوم ذي مسغبة) فكلمة اقتحم هي من أنسب الألفاظ لهذا الوصف لأن الإقتحام يتناسب مع العقبة والشدة ولو قال اجتاز أو عبر مثلا لما أعطى المعنى المطلوب واختيار كلمة اقتحم هو للدلالة على أن الأمر مخيف وشديد ومهلك وليس سهلا يسيرا وليس من العقبات التي تجتاز بسهولة ويسر وإنما تحتاج إلى اقتحام وفيها شدة وصعوبة. فلو لاحظنا (فلا اقتحم العقبة) ومن قبلها (وهديناه النجدين) لوجدناها متناسبة ومرتبطة بقوله تعالى (لقد خلقنا الإنسان في كبد) وقد قلنا أن من معاني الكبد المشقة والقوة واقتحام العقبة فيه مشقة وتعب ويحتاج إلى قوة وفيها ارتباط بمعنيي الكبد (المشقة والقوة). (لقد خلقنا الإنسان في كبد يتناسب مع ما سيأتي من آيات في تفصيل معنى العقبة من المشقات (فك رقبة، إطعام في يوم ذي مسغبة). (1/226) ________________________________________ لا: أية لا هذه وما حكمها؟ نظر المفسرون في (لا) هذه والمعروف في قواعد اللغة العربية أن (لا) إذا دخلت على الفعل الماضي ى تفيد النفي كما في الفعل المضارع. و(لا) لا تنفي الفعل الماضي إلا إذا كررت مثل قوله تعالى (فلا صدق ولا صلى) ولا نقول في اللغة لا ذهب بمعنى لم يذهب ولإنما يقال ما ذهب للدلالة على نفي الفعل الماضي. إذن لا يصح ولا يجوز القول لا مع الفعل الماضي للنفي. لكن يبقى السؤال هل (لا) في هذه الآية نفي؟ قسم من المفسرين قال قد تفيد النفي واستشهدوا على ذلك ببعض ما ورد في أشعار العرب مع أنها على غير سنن العرب (وأي أمر سيء لا فعل)، ومنهم من قال إنها تفيد الدعاء وليس النفي، كما يقال: لا فض الله فاك أو يقال لا عافاك الله، لا رده الله سالما وغيرها، وقد تكون للدعاء عليه بأن لا يقتحم العقبة فهذا الشخص الذي أنفق ماله في غير وجه خير دعا عليه بأن لا يقتحم العقبة إذن اعتبروها قسم من المفسرين على أنها للدعاء وليس للنفي. وقسم آخر رأوا أنها تفيد نفي الإستقبال: في العربية إذا كان الفعل الماشي يفيد الإستقبال يجوز استخدام (لا) ويجوز نفيه بـ (لا) كقولنا (والله لا فعلت ذلك أبدا) بمعنى لا افعله، فإذا كان الفعل للإستقبال يجوز أن تدخل عليه (لا) باعتبار الدلالة الزمنية (تالله لا عذبتهم بعدها سقر). فلا اقتحم العقبة تفيد إذن في هذه الحالة نفي الإستقبال بمعنى لا يقتحم العقبة في المستقبل. ومنهم من قال إنها استفهام وقد حذفت همزة الإستفهام (ألا اقتحم العقبة) وكأن هذا الإستفهام للتوبيخ على ما حصل وللحض على اقتحام العقبة. وفي القرآن الكريم مواضع كثيرة حذفت منها همزة الإستفهام (مثل قوله تعالى مرة في سورة الشعراء: أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين) وفي آية أخرى (إن لنا لأجرا). وحذف حرف الإستفهام خاصة الهمزة كثير في الشعر والنثر عند العرب . (1/227) ________________________________________ وخلاصة القول أن (لا) في قوله تعالى (فلا اقتحم العقبة) قد جمعت كل هذه المعاني التي ذكرنا وفيها احتمالات النفي والدعاء والإستقبال والإستفهام وهذا ما يسمى في اللغة باب التوسع في المعنى فكل المعاني مرادة سواء كان للصنف أم للشخص الذي أهلك مالا لبدا لم يقتحم العقبة ولا يقتحمها في المستقبل ودعاء عليه بأن لا يقتحمها إلا إذا أصلح حاله وتوبيخ على أنه لا يقتحمها فقد جمعت كل هذه المعاني معا ولو جاء بأي حرف آخر مثل (ما أو لم) لما أمكن جمع كل هذه المعاني وأي حرف آخر كان أول إلى معنى النفي فقط ولكن (لا) جاءت بأربع أو خمس معاني كلها مقصودة. وما أدراك ما العقبة: لماذا التكرار في كلمة العقبة؟ التكرار في اللغة مشهور وله أغراض قد يكون منها التهويل والتعظيم والتحسر والتفخيم والتحبيب. وفي هذه الآية جاء التكرار للتفخيم والتهويل والتعظيم لأمر العقبة وما سيفسرها فيما بعد وقد ورد التكرار كثيرا في القرآن الكريم كما في قوله تعالى (القارعة ما القارعة) و (الحاقة ما الحاقة). (1/228) ________________________________________ ما الحكمة من استخدام صيغة الفعل الماضي في قوله (وما أدراك) وقد استخدم في القرآن صيغة الفعل المضارع كما في قوله تعالى (وما يديرك لعله يزكى) وقوله (وما يدريك لعل الساعة). في القرآن كله أسلوب محدد إذا استعمل (يجريك) بصيغة المضارع لا يفصل بعدها ولا يجيب على السؤال ويبقيه مبهما (وما يدريك لعله يزكى) لم يأتي بعدها تفصيل أو إجابة وإنما بقي مبهما، وإذا استعمل (أدراك) بصيغة الماضي يتبعها بالتفصيل كما في قوله تعالى (والسماء والطارق * وما أدراك ما الطارق* النجم الثاقب) وقوله (وما أدراك ما العقبة* فك رقبة* أو إطعام في يوم ذي مسغبة) نلاحظ التفصيل بالجواب بعد أدراك. والقرآن الكريم له خصوصيات في الإستعمال والتعبير يختص بها عن قواعد اللغة العربية تماما كما اختص كلمة العيون (لعيون الماء) والأعين (لأداة الإبصار) في القرآن كله وكذلك الصوم (الإمتناع عن الكلام) والصيام (الإمتناع عن الطعام والشراب). لماذا تكرر لفظ العقبة في هذه السورة؟ وقد ورد في سورة أخرى (فأمه هاوية* وما أدراك ما هي* نار حامية) استخدم الضمير (هي) لمعنى الهاوية. هناك قاعدة في اللغة العربية أن الإسم الظاهر أقوى من الكناية أو الضمير ولذلك فإن الضمير لا يؤكد الظاهر. معنى ذلك أن الأمر في سورة البلد أقوى من التكرار بالضمير (هي) في سورة القارعة فالسياق والموطن أقوى ولذا جاء بتكرار الإسم الظاهر وليس بالضمير. في سورة القارعة فسر الهاوية بنار حامية وفي سورة الهمزة (كلا لينبذن في الحطمة * وما أدراك ما الحطمة* نار الله الموقدة * التي تطلع على الأفئدة* إنها عليهم مؤصدة* في عمد ممددة) هنا جاء بـ (نار الله) وفي القارعة (نار) فقط فوصف النار في سورة الهمزة غير الوصف في سورة القارعة لذا كرر كلمة (الحطمة) كما في سورة البلد كرر كلمة (العقبة) فالسياق والموطن هو الذي يدعو إلى اختيار الظاهر على الضمير أو اختيار الضمير على الظاهر. (1/229) ________________________________________ فك رقبة * أو إطعام في يوم ذي مسغبة* يتيما ذا مقربة* أو مسكينا ذا متربة* ما معنى فك رقبة؟ قال الله تعالى فيما سبق من الآيات (فلا اقتحم العقبة* وما أدراك ما العقبة) ثم بدأ يوضح كيف تقتحم العقبة فبدأ بقوله تعالى (فك رقبة) وهو تخليصها من الرق وغيره وليس المقصود بها تحرير الرقبة فقط (وقد ورد ذكرها في الكفارات بلفظ تحرير) وفي عصرنا الحالي ليس هناك رقيق ولا عتق رقاب بمعنى تحريرها من الرق. إذن فك رقبة تعني تخليصها من الرق كالغارم والمطلوب لأمر ما بمعنى التخليص من هذا الأمر، والفك لغة هو حل القيد والعتق يسمى فك أيضا. أما التحرير فهو خاص بالعتق أما الفك فهو أشمل لأي قيد وهذا مرتبط بقوله تعالى (لقد خلقنا الإنسان في كبد) وكل هؤلاء المقيدين هم في كبد. وفك الرقبة هي عقبة من عقبات المجتمع قديما وحديثا ومستقبلا ويدخل فيها مثلا رقبة الشعوب المستضعفة ونصرتهم وإغاثتهم وهذا يدخل في الرقبة وفي القيد، وهي دائمة مستمرة ما دامت البشرية فلا يمكن أن تأتي آية في القرآن ولا يكون لها تطبيق لكل زمان ومكان. حتى في المجتمع الواحد (الفرد للفرد والسلطة للشعب) يستذل الفرد غيره بشيء ما أو الحاكم يذل شعبه أو نحوه وهذه من العلاقات الكبيرة في المجتمعات ولذا بدأ بها وهي لا تختص بالعتق ولكنها تدخل فيها والفك مستمر لا ينقطع. أو إطعام في يوم ذي مسغبة. لماذا استخدام كلمة (مسغبة) بدل سغب مثلا أو جوع أو مخمصة؟ أولا هناك مسألتين لاستعمال كلمة مسغبة بدل السغب أو الجوع أولها: أن المسغبة تعني الجوع العام والجماعي وليس للفرد والسغب هو الجوع الفردي. (1/230) ________________________________________ وثانيا أن المسغبة هي الجوع العام مع التعب والإرهاق ولهذا خصص باستعمال (مسغبة) أما الجوع فلا يرافقه بالضرورة التعب والإرهاق، أما المخمصة فهي الجوع الذي يرافقه ضمور البطن. وهذه عقبة من عقبات المجتمع إنه في يوم مجاعة مع التعب والإرهاق وهو اليوم الذي فيه الطعام عزيز وغير مبذول وهو دلالة على شدة الضيق والكرب كما قال بعض المفسرين، وهناك فرق بين الإنفاق في وقت الطعام فيه متوفر ويوم ذي مسغبة وهو ليس كأي يوم من الأيام. وهنا خصص القرآن في وصف العقبة واليوم واليتيم والمسكين فيما بعد. لماذا استخدام لفظ (إطعام) وليس طعام مثلا أو أن تطعموا؟ من الناحية اللغوية من الممكن القول: أن تطعموا، إطعام أو طعام . الطعام تحتمل معنيين أولهما أن تكون بمعنى المصدر لفعل أطعم وهي تعني عملية الأكل نفسها (فلينظر الإنسان إلى طعامه) (ولا تحاضون على طعام المسكين) وثانيها أن يكون هو الأكل نفسه. وكل آية ورد فيها لفظ (طعام) فيها احتمالين في المعنى (الطعام والإطعام) كما قال المفسرون وكلاهما مرادان في المعنى. لكن في هذه السورة ومن سياق الآيات نلاحظ أن المراد هنا معنى (إطعام) لأن اليوم ذي مسغبة والمقصود الأكل لأن الجوع مع التعب يسبب إطعام. أما عدم استخدام (أن تطعموا) لأن الفعل المضارع مع وجود إن يدل معناه على الحدوث مستقبلا ولكن هذا المعنى لا يصح في الآية لأن المسغبة قائمة ويجب أن يكون الإطعام فورا ولهذا استخدمت الصيغة الإسمية. - قوله ( يتيما ذا مقربة * أو مسكينا ذا متربة* ) مقربة : تعني القريب في النسب وفي الرحم وتجتمع فيه الصدقة وصلة الرحم فهو أولى وتختلف عن القرابة أو القربى في اللغة. القرابة هي عامة مثل القرابة في النسب، أما القربى فقد تكون في النسب وفي الرحم كالأخ والأخت والمقربة هي بينهما وهي أعم. (1/231) ________________________________________ ما اللمسة البيانية في استخدام (أو) بدل حرف العطف (الواو)؟ إذا استخدم الواو فإنه يدل على أن اقتحام العقبة لا يتم إلا إذا اجتمعت كل هذه الأمور (إطعام اليتيم والمسكين وفك الرقبة) ولكن المقصود في الآيات أنه من فعل أحد هذه الأمور يقتحم العقبة وهو بحسب استطاعته فمن استطاع فك رقبة يكفيه ومن استطاع إطعام اليتيم أو المسكين يكفيه أيضا وهذا من رحمة الله تعالى الواسعة بعباده. وهذا من باب التخيير فالإنسان يختار ما يستطيع بحسب إمكانياته وظروفه. يتيما مفعول به للمصدر إطعام. ما فائدة تقديم فك رقبة على إطعام في يوم ذي مسغبة؟ أولا المسكين ذو المتربة هو ليس أي مسكين أو المسكين بشكل عام. وفي الآيات: اليوم مخصص بأنه (ذو مسغبة) واليتيم مخصص (ذو مقربة) والمسكين خصص (ذا متربة) وقد فرق المفسرون بين الفقير والمسكين وقالوا أن الفقير هو من انكسر فقار ظهره من الحاجة وهو الذي لا يملك قوت يومه أما المسكين فهو الذي لديه عمل أو رزق لكن لا يكفي حاجته واستدلوا بذلك على قوله تعالى في سورة الكهف في وصف أصحاب السفينة (وأما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر) سماهم المساكين مع أنه كان لديهم سفينة وكانوا يعلمون في البحر لكن مدخولها لا يكفيهم. والمتربة : هو الفقر وهو من التراب بمعنى التصق بالتراب من فقره، إذن (مسكينا ذا متربة) هو المسكين الفقير الذي لا مأوى له وهو مطروح على قارعة الطريق وهذا ليس من المساكين العاديين وإنما من خصوص المساكين وهذا صنف ما زلنا نراه في المجتمعات. (1/232) ________________________________________ أما سبب التقديم (فك رقبة) أولا فهو إشارة إلى عظم الحرية في الإسلام إذا كان بمعنى الرق لأنه الأولى في الحياة التحرير بالنسبة للأفراد والشعوب في المجتمعات. وثانيا قد يكون الشخص مطلوب بدم أو بشيء آخر أو غارم فأولى شيء عنده أن تفك رقبته وقد يكون هو الأحوج إلى الإطعام والفك من غيره من الأيتام والمساكين لأنه إذا كان مطلوبا فإنه لن يكون قادرا على الخروج لطلب الطعام أو غيره فاليتيم ممكن أن يخرج للبحث عن الطعام وكذلك المسكين أما الغارم أو المطلوب فهو الأولى بذلك لذا جاء ذكره أولا وهو أول ما يفك وهو أسبق من اليتيم والمسكين. ثم اليتيم بعد فك الرقبة لأنه في اليوم ذي المسغبة واليتيم هو الصغير دون سن البلوغ فإذا بلغ انتفت عنه صفة اليتم، هذا الصغير اليتيم في مثل هذا اليوم ينبغي أن يراعى ويتفقد في هذا اليوم العصيب ذي مسغبة وماذا سيأكل في هذا اليوم. ثم يأتي المسكين وهو أكبر سنا من اليتيم ويمكن أن يفعل شيئا للحصول على الطعام بعكس اليتيم إذن فهي مرتبة بحسب الحاجة في ذلك الوقت وهي مرتبة بحسب القلة والكثرة من القلة إلى الكثرة (المطلوبين والغارمين قليلون في المجتمعات أما إذا كانوا رقيقا فهم لم يعودوا موجودين أصلا) ثم الأيتام أكثر من الغارمين والمطلوبين لكنهم أقل من المساكين لأن هؤلاء اليتامى سيكبرون وتنتفي عنهم صفة اليتم، أما المساكين فهم الأكثر في المجتمعات. (1/233) ________________________________________ ما علاقة الآيات بما قبلها؟ الآيات مرتبطة بقوله تعالى (لقد خلقنا الإنسان في كبد) فهؤلاء الغارمون والمطلوبون والمسترقون واليتامى والمساكين كلهم مكابدون وكذلك مرتبطة بقوله تعالى (أهلكت مالا لبدا) كان ينبغي له أن ينفق على هؤلاء المساكين واليتامى والغارمين شيئا من ماله الذي أهلكه في غير وجه حق، ومرتبطة بقوله (ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة) لأن فك الرقاب وإطعام المحتاجين من المرحمة وهؤلاء من أحوج الناس إلى الصبر أيضا. ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة * أولئك أصحاب الميمنة* والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشئمة* عليهم نار مؤصدة* دلالة الآية: بعد أن ذكر تعالى الأصناف واقتحام العقبة ذكر (ثم كان من الذين آمنوا) لأن الشرط الأساسي هو الإيمان وجاء بـ (ثم) والمعروف في النحو أن (ثم) تفيد الترتيب والتراخي ولكن ليس دائما فقد يكون من أشهر دلالاتها أنها لمجرد ترتيب الذكر أحيانا يؤخر ما هو أولى مثال قوله تعالى (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) (فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد) قد تكون الترتيب للأخبار وليس للترتيب الزمني (تراخي رتبة الإيمان عما قبلها لأنه لا ينفع شيء بدون إيمان، فالإيمان أنفع من فك رقبة وهو الأول وكل ما ذكر قبلا لا تنفع في الآخرة إلا إذا كان مؤمنا. إذن الأساس أن يكون من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة. في غالبية آي القرآن الكريم يأتي ذكر الذين آمنوا مقرونا بـ (عملوا الصالحات) أما في هذه الآية لم يذكر (عملوا الصالحات) وهذا لأنه سبحانه وتعالى قد ذكر الأعمال الصالحة فيما سبق من الآيات في السورة (فك رقبة، إطعام في يوم ذي مسغبة) فذكر كل ما يتعلق بمكابدة المال وذكر العمل لذا كان معنى العمل واضح في الآيات. ما اللمسة البيانية في تكرار فعل (تواصوا) في الآية؟ هناك ثلاثة احتمالات لهذه الجملة: (1/234) ________________________________________ وتواصوا بالصبر وبالمرحمة: بتكرار حرف الجر دون الفعل. وتواصوا بالصبر والمرحمة: بالعطف دون حرف جر. تواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة: بتكرار الفعل وهي أقوى التعبيرات لأن فيها توكيد لأهمية كل واحد من الصبر والمرحمة. فالتواصي بالصبر مهم بذاته والتواصي بالمرحمة مهم بذاته أيضا وهذه السورة مبنية كلها على الصبر والمرحمة. والمرحمة هي ليست الرحمة فقط ولكنها عامة وهي أهم من الرحمة والسورة كلها مبنية على الصبر والمرحمة. الصبر: (وأنت حل بهذا البلد) لما يلاقيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الأذى ، (ووالد وما ولد) لأن تربية الأولاد تحتاج إلى صبر طويل، وكذلك سلوك النجدين يحتاج إلى صبر واقتحام العقبة والرقبة المسترقة والغارم واليوم ذي المسغبة كله يحتاج إلى صبر طويل وكذلك اليتيم والمسكين والذين آمنوا يحتاجون إلى الصبر على الطاعات والصبر عن المعصية. كذلك المرحمة: (وأنت حل بهذا البلد) بمعناها (حل) الأحرى أن يعامل بالمرحمة وليس بالأذى وإذا كان بمعنى حلال فالرسول - صلى الله عليه وسلم - قال يوم فتح مكة (اليوم يوم مرحمة)، (ووالد وما ولد) والعلاقة بينهما علاقة رحمة وبر، (أهلكت مالا لبدا) الذي أهلك المال يحتاج إلى رحمة، الرقبة المسترقة واليوم ذي المسغبة واليتيم والمسكين والذين آمنوا ينبغي أن يتواصوا بالمرحمة (رحماء بينهم) فالسورة كلها مبنية على الصبر والمرحمة لذا ينبغي التواصي بالصبر والتواصي بالمرحمة. ذكر التواصي بالصبر أولا ثم التواصي بالمرحمة لأنه تعالى قدم في السورة ما يحتاج إلى الصبر من المكابدة والمشقة واقتحام العقبة والنجدين وكلها يحتاج إلى صبر ثم إلى مرحمة (في إطعام اليتامى والمساكين) هذا والله أعلم. - قوله ( أولئك أصحاب الميمنة* والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشئمة * علهم نار مؤصدة* ) (1/235) ________________________________________ ما المقصود بالميمنة والمشئمة؟ الميمنة احتمال أن تكون من اليمن أي الخير والبركة، أو من اليمين أي الإتجاه اليمين أو من أصحاب اليمين الذين يعطون صحائفهم بأيمانهم. إذن الميمنة لها ثلاثة دلالات: أصحاب جهة اليمين الذين يؤتون صحائفهم بأيمانهم أصحاب اليمن والخير والبركة لأنهم أفاضوا على أنفسهم (ليقتحموا العقبة) وعلى غيرهم (إطعام اليتامى والمساكين وفك الرقبة). والمشئمة أيضا تحتمل ثلاثة دلالات هي: أصحاب جهة الشمال (أصحاب النار الأشقياء) الذين يؤتون صحائفهم بشمالهم من الشؤم وهو ضد اليمن لأنهم كانوا أصحاب الشؤم على أنفسهم (أهلكت مالا لبدا) وعلى غيرهم (الذين لا يقتحمون العقبة ولا يطعمون اليتامى والمساكين ولا يفكون القراب ويسترقون الناس ويستحلون حرمة البلد الحرام والرسول - صلى الله عليه وسلم -). إذن أصحاب الميمنة تختلف عن أصحاب اليمين لأنها أعم والميمنة جمعت عدة معاني وجاء في آخر الآيات ذكر اليمن على غيرهم (فك رقبة، إطعام في يوم ذي مسغبة) فكان أولى أن يستخدم لفظ (الميمنة) بدل اليمين. ما اللمسة البيانية في استخدام (هم) مع أصحاب المشئمة دون أصحاب الميمنة في قوله تعالى: هم أصحاب المشئمة؟ قال (هم) مع الكفار أما أصحاب الميمنة لم يذكر معهم (هم) لأنه لو قال هم أصحاب الميمنة لكان أصحاب الميمنة حصرا على هؤلاء الذين ذكرهم في الآيات السابقة ولكن أصحاب الميمنة أكثر من هؤلاء . الذين يتواصون بالصبر ويتواصون بالمرحمة هؤلاء فقط أصحاب الميمنة وهذا غير صحيح لأن رأس الأمر الإيمان بالله وهؤلاء إذن من أصحاب الميمنة وليسوا أصحاب الميمنة حصرا فلا يصح القصر هنا أبدا بمعنى أن من عداهم ليسوا من أصحاب الميمنة. (عدم القصر هو السبيل الصحيح الذي لا يصح غيره هنا). أما الذين كفروا هو أصحاب المشئمة حصرا. هنا القصر في أصحاب المشئمة هو السبيل الصحيح الذي لا يصح غيره. - قوله ( عليهم نار مؤصدة* ) (1/236) ________________________________________ مؤصدة معناها مطبقة من أوصد الباب بمعنى لا ضوء ولا مخرج ولا فرج فيها. فلماذا قدم الجار والمجرور؟ تقديم الجار والمجرور هو للقصر بمعنى أنها مؤصدة عليهم حصرا أما إذا أخر الجار والمجرور فقد يفهم المعنى على أن النار المؤصدة ليست محصورة بالكفار ولكنها قد تكون مؤصدة على غيرهم أيضا إذن الآيات متفقة مع بعضها النار على هؤلاء الذين كفروا وأصحاب المشئمة النار مؤصدة عليهم حصرا فالقصر هو الذي يؤدي المعنى المطلوب. ورد في بعض القراءات لفظ (موصدة) فأيهما أصح؟ كلتا القراءتين متواترتين وكلتاهما من القراءات السبع الصحيحة وليس للقارئ أن يرجح إنما له أن يختار فقد يختار موصدة أو مؤصدة ؛ مؤصدة وموصدة لغتان الفعل الأصلي (أصد وآصد مؤصدة) والآخر (وصد وأوصد موصدة ومنها الوصيد)، فمن كان لغته آصد اختار مؤصدة ومن كان لغته وصد اختار موصدة، وأنا شخصيا (والكلام للدكتور فاضل السامرائي) أختار لفظ (مؤصدة) بالهمزة لأنها مناسبة للحالة التي هم عليها فاليوم ثقيل وما هم فيه ثقيل حتى صوت الهمزة في (مؤصدة) وقعها ثقيل على السمع وهو أنسب مع جو المكابدة في السورة. في سورة الهمزة وصف تعالى بقوله (إنها عليهم مؤصدة* في عمد ممددة) وفي هذه السورة لم يعقب على النار بشيء فما اللمسة البيانية في هذا؟ لو لاحظنا المذكورين في سورة الهمزة نلاحظ أنه تعالى قد توسع في ذكر صفات المعذب (ويل لكل همزة لمزة ، الذي جمع مالا وعدده،...) وكما توسع في الصفات توسع أيضا في العذاب (في عمد ممددة) أما في سورة البلد فلم يتوسع في ذكر صفات المعذبين وإنما قال (والذين كفروا) هذا والله أعلم. (1/237) ________________________________________ والأمر الآخر أنه في قوله تعالى (ويل) بالرفع في أول السورة تدل على الهلاك التام الدائم ومناسب لقوله تعالى (في عمد ممددة) لأن ويل هي جملة إسمية (ويل: مبتدأ نكرة وخبره: لكل همزة لمزة ، وويل فيها معنى الدعاء وإذا كان فيها معنى الدعاء يصح أن تبدأ الجملة الإسمية بها مثل قوله تعالى سلام عليكم) ومن المعروف أن الجملة الإسمية تدل على الثبوت فاقتضى هذا الثبوت ثبوت الهلاك ودوامه (عليهم نار مؤصدة* في عمد ممددة) لا تفتح فيها الأبواب. ولو قال ويلا لما ناسب سياق الآيات معنى العذاب والتوسع فيه (ويلا: هي مفعول مطلق لفعل محذوف معناه ألزمه الله ويلا). كما أن ويل: هو مصدر من المصادر التي أميتت أفعالها ومثلها : ويح، ويب، ويس، بمعنى أهلك. أما ويلا: مفعول مطلق تقديره أهلكه الله مثل قعد جلوسا أو ألزمه الله ويلا (مفعول به) والمشهور عند النحاة المعنى: أهلكه الله إهلاكا وهو مفعول مطلق. السؤال الآن أيهما أقوى في اللغة، ويل أو ويلا؟ لا يمكن القول هنا أيهما أقوى لأن البلاغة في القرآن الكريم هو مطابقة الكلام لمقتضى الحال فأحيانا يقتضي الحال استخدام الجملة الإسمية فستخدم للدلالة على الثبوت وفي أحيان أخرى يقتضي الحال إستخدام الجملة الفعلية فتستخدم. (1/238) ________________________________________ الأمر الآخر في سورة الهمزة أن الله تعالى ذكر الكافر الذي يجمع المال ويعدده ويحفظه فكما حفظ الكافر المال وجمعه وحسب أنه يخلده ولم بنفع به الآخرين أغلق الله تعالى عليه أبواب جهنم (في عمد ممددة) وناسب هذا الإستيثاق في حفظ المال الإستيثاق في الخلود في النار. أما في سورة البلد فلم يكن سياق الكلام على هذا النحو وإنما وصف الله تعالى أن الكافر أهلك المال (أهلكت مالا لبدا). ثم إن في سورة الهمزة ذكر تعالى أن الكافر يحسب أن ماله أخلده وهذا الحسبان قابله الحسبان بحقيقة الخلود في النار بأن أغلق عليه الأبواب وجعل النار عليه في عمد ممددة . وكذلك في سورة الهمزة وصف الله تعالى الكافر أنه يتعدى على الآخرين ويهمزهم ويلمزهم ويمنع خيره عنهم والذي يتعدى على الآخرين ينبغي أن يحبس والحبس يغلق عليه الأبواب ويكون في عمد ممددة ولم يذكر هذا في سورة البلد واكتفى بالوصف (الذين كفروا بآياتنا) ولم يذكر أنهم اعتدوا على الآخرين. والكفر درجات والعقوبة دركات بحسب ما يفعله الكافر فليس كل الكفار في عذاب واحد وفي دركة واحدة بدليل قوله تعالى (في الدرك الأسفل من النار). ثم إن المعذبين في سورة الهمزة كفار وزيادة فهم كافرون، يتعدون على الآخرين، يجمعون الأموال، يحسبون أن مالهم يخلدهم وهذا كله لم يذكر في سورة البلد ولهذا ناسب الإستيثاق في الحبس والجعل في عمد ممددة للكفار في سورة الهمزة. لماذا لم يذكر جزاء المؤمنين في السورة كما ذكر جزاء الكفار؟ قال تعالى في السورة (لقد خلقنا الإنسان في كبد) والكبد كما قلنا سابقا هو المشقة والمعاناة ولا يناسب جو السورة ذكر الجزاء وإنما ذكر الإشارة إلى المؤمنين أنهم أصحاب الميمنة. والسورة كلها في المشاق والمتاعب فلم يناسب ذكر الجزاء للمؤمنين مع كل ما في السورة من مشقة وتعب وسلوك النجدين واقتحام العقبة واليوم ذي مسغبة والكبد هذا والله أعلم. لمسات بيانية في سورة الضحى (1/239) ________________________________________ والضحى (1) والليل إذا سجى (2) ما هي دلالة القسم في قوله تعالى (والضحى) يذكر أهل التفسير أن الوحي أبطأ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أياما فشق ذلك عليه وقيل له : إن ربك قلاك ، فأنزل الله تعالى هذه السورة ردا على المشركين وإكراما للرسول - صلى الله عليه وسلم - ، فلماذا حزن الرسول الكريم وجزع لانقطاع الوحي مع ما يلقاه في سبيل الوحي من العنت والجهد؟ في الحقيقة انه اختبار من الله تعالى للرسول الكريم: هل هو حريص على الوحي وما فيه من مشقة أم انه سيرتاح من هذا الوحي الثقيل؟ وهذا فيه توجيه إلى الدعاة أنه عليهم أن يصبروا ويثبتوا في الدعوة مهما لاقوا من مشقة وعنت في سبيل الدعوة إلى الله. الضحى في اللغة : هو وقت ارتفاع الشمس بعد الشروق سجى في اللغة : لها ثلاث معاني ، فهي بمعنى سكن، أو اشتد ظلامه أو غطى مثل تسجية الميت. أقسم الله تعالى بالضحى والليل إذا سجى انه ما ودع رسوله وما قلاه، والضحى هنا يمثل نور الوحي وإشراقه كما قال المفسرون ، والليل يمثل انقطاع الوحي وسكونه والدنيا من غير نور الوحي ظلام ولذلك قدم سبحانه الضحى هنا لأنه ما سبق من نور الوحي وأخر الليل لما يمثل من انقطاع الوحي. وقال بعض المفسرين أن القسم يشير أن الانقطاع يمثل الاستجمام والسكون كما يرتاح الشخص المتعب في الليل ومن معاني سجى السكون وهو يمثل الراحة وهو نعمة. فالقسم هنا جاء لما تستدعيه الحالة التي هو فيها. ما اللمسة البيانية في كلمة (سجى) وليست في كلمتي غشي او يسر ؟ (1/240) ________________________________________ كما في قوله (والليل إذا يغشى) (والليل إذا يسر) سبق القول أن من معاني سجى: سكن وهذا يمثل سكون الوحي وانقطاعه وهذا هو السكون، والانقطاع ظلمة وهذا المعنى الثاني لسجى فكلمة سجى جمعت المعاني كلها التي تدل على انقطاع الوحي وسكونه. أما كلمة يغشى أو يسر فهما تدلان على الحركة وهذا يناقض المعنى للقسم في هذه السورة. وعليه فان القسم (والضحى والليل إذا سجى) هو انسب قسم للحالة التي هو فيها من نور الوحي وانقطاعه وكل قسم في القرآن له علاقة بالمقسم به. ما الحكم البياني في استخدام كلمة (والضحى) بدل والفجر او النهار؟ الضحى هو وقت إشراق الشمس أما النهار فهو كل الوقت من أول النهار إلى آخره ، والضحى يمثل وقت ابتداء حركة الناس يقابله الليل إذا سجى وهو وقت السكون والراحة. والفجر هو أول دخول وقت الفجر (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) ولا يكون هناك ضوء بعد أو نور كوقت الضحى بعد شروق الشمس. - قوله ( ما ودعك ربك وما قلى ) أين مفعول الفعل قلى؟ في هذه الآية الكريمة ذكر مفعول الفعل ودع وهو (الكاف في ودعك) وحذف مفعول الفعل قلى (ولم يقل قلاك) في اللغة عند العرب التوديع عادة يكون بين المتحابين والأصحاب فقط ويكون عند فراق الأشخاص. اختلف النحاة في سبب ذكر مفعول فعل التوديع وحذف مفعول فعل قلى منهم من قال لظهور المراد بمعنى أن الخطاب واضح من الآيات انه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومنهم من قال إنها مراعاة لفواصل الآيات في السورة (الضحى، سجى، قلى، الأولى،...) لكن القرآن العظيم لا يفعل ذلك لفواصل الآيات وحدها على حساب المعنى أبدا ولا يتعارض المعنى مع الفاصلة والمقام في القرآن كله. فلماذا إذن هذا الحذف والذكر؟ (1/241) ________________________________________ الذكر من باب التكريم والحذف من باب التكريم أيضا. لم يقل الله تعالى قلاك لرسوله الكريم حتى لا ينسب الجفاء للرسول - صلى الله عليه وسلم - فلا يقال للذي نحب ونجل ما أهنتك ولا شتمتك إنما من باب أدب المخاطبة يقال ما أهنت وما شتمت فيحذف المفعول به إكراما للشخص المخاطب وتقديرا لمنزلته وترفع عن ذكر ما يشينه ولو كان بالنفي. أما التوديع فالذكر فيه تكريم للمخاطب فيحسن ذكر المفعول مع أفعال التكريم وحذفه مع أفعال السوء ولو بالنفي. وهكذا يوجه الله تعالى المسلمين لأدب الكلام ويعلمنا كيف نخاطب الذين نجلهم ونحترمهم. ولقد جمعت هذه الآية التكريم للرسول من ربه مرتين مرة بذكر المفعول مع فعل التوديع ومرة بحذف المفعول مع الفعل قلى. فلماذا قال تعالى " ربك " ولم يقل " الله " ؟ هنا تكريم آخر من الله تعالى لرسوله الكريم. فالرب هو المربي والموجه والقيم. وذكر الفاعل وهو الرب إكرام آخر فلم يقل لم تودع ولم تقلى. والرب هو القيم على الأمر فكيف يودعك وهو ربك لا يمكن أن يودع الرب عبده كما لا يمكن لرب البيت أن يودعه ويتركه ورب الشيء لا يودعه ولا يتركه وإنما يرعاه ويحرص عليه. واختيار كلمة الرب بدل كلمة الله لأن لفظ الجلالة الله كلمة عامة للناس جميعا ولكن كلمة الرب لها خصوصية وهذا يحمل التطمين للرسول الكريم من ربه الذي يرعاه ولا يمكن أن يودعه أو يتركه أبدا. - قوله ( وللآخرة خير لك من الأولى ) اختلف المفسرون في معنى كلمة الآخرة فمنهم من قال : إنها ما هو غير الدنيا بمعنى الدار الآخرة. وقسم قال انها كل ما يستقبل من الحياة على العموم كما جاء في قوله تعالى (فإذا جاء وعد الآخرة ...) الآخرة هنا ليست في القيامة (1/242) ________________________________________ الآخرة في سورة الضحى جاءت مقابل الأولى ولم تأت مقابل الدنيا فلم يقل وللآخرة خير لك من الدنيا. ومعنى الآية أن ما يأتي خير لك أيها الرسول مما مضى ؛ أي من الآن فصاعدا فيما يستقبل من عمرك هو خير لك من الأولى وأكد ذلك باللام في كلمة وللآخرة. وقد حصل هذا بالفعل فكل ما استقبل من حياته - صلى الله عليه وسلم - خير له مما حصل . فلماذا لم يقل خير لك من الدنيا؟ لأنه لو قالها لما صحت إلا في الآخرة فكأنما حصر الخير في الآخرة فقط ونفى حصول الخير فيما يستقبل من حياته - صلى الله عليه وسلم - وهذه الآية توكيد لما سبقها في قوله تعالى ما ودعك ربك وما قلى. ولماذا قال تعالى (لك) ولم يقل وللآخرة خير من الأولى؟ هذه السورة وسورة الشرح هما خاصتان بالرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو المخاطب المباشر بهما ولو قال تعالى : "وللآخرة خير من الأولى" لما صح هذا القول لأنه سيكون عاما للناس جميعا وهذا ما لا يحصل وعندها ستفيد الإطلاق ولا يصح على عمومه لان بعض الناس آخرتهم شر لهم من أولاهم ولا يصح هذا الكلام على إطلاقه إنما لا بد من أن يخصص المعنى وهو للرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - بالذات ولهذا قال تعالى (وللآخرة خير لك من الأولى) - قوله ( ولسوف يعطيك ربك فترضى ) ما هي علاقة هذه الآية بما سبقها من الآيات؟ سوف دالة على الاستقبال وقد سبق أن قال تعالى ( وللآخرة خير لك من الأولى ) وهي تدل أيضا على الاستقبال وجاء أيضا باللام في (ولسوف) وأكده بنفس التوكيد باللام في (وللآخرة) ولماذا لم يحدد العطاء بشيء ما وإنما قال ولسوف يعطيك ربك فترضى؟ (1/243) ________________________________________ لقد أطلق سبحانه العطاء ولم يحدده إنما شمل هذا العطاء كل شيء ولم يخصصه بشيء معين إكراما للرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - وتوسيعا للعطاء وكذلك أطلق فعل الرضى كما أطلق العطاء فجعل العطاء عاما وجعل الرضى عاما وذكر المعطي أيضا وهو الرب وعلينا أن نتخيل كيف يكون عطاء الرب؟ والعطاء على قدر المعطي وهذا كله فيه تكريم للرسول كذلك في إضافة ضمير الخطاب " الكاف " في (ربك) تكريم آخر للرسول - صلى الله عليه وسلم - لماذا اختيار كلمة (فترضى) ؟ اختيار هذه الكلمة بالذات في غاية الأهمية ؛ فالرضى هو من أجل النعم على الإنسان وهو أساس الاستقرار والطمأنينة وراحة البال فإن فقد الرضى حلت الهموم والشقاء ودواعي النكد على الإنسان. وان فقد في جانب من جوانب الحياة فقد استقراره بقدر ذلك الجانب ولذا جعل الله تعالى الرضى صفة أهل الجنة (فهو في عيشة راضية) (فارجعي إلى ربك راضية مرضية). وعدم الرضى يؤدي إلى الضغط النفسي واليأس وقد يؤدي إلى الانتحار. والتعب مع الرضى راحة والراحة من دونه نكد وتعب، والفقر مع الرضى غنى والغنى من دونه فقر، والحرمان معه عطاء والعطاء من دونه حرمان. لذا فان اختيار الرضى هو اختيار نعمة من اجل النعم ولها دلالتها في الحياة عامة وليست خاصة بالرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - فإذا رضي الإنسان ارتاح وهدأ باله وسكن وان لم يرض حل معه التعب والنكد والهموم والقلق مع كل ما أوتي من وسائل الراحة والاستقرار. لماذا قال يعطيك ولم يقل يؤتيك؟ (1/244) ________________________________________ الإيتاء يكون لأمور مادية وغيرها (الملك، الحكمة، الذكر) أما العطاء فهو خاص بالمادة. والإيتاء أوسع من العطاء واعم والعطاء مخصص للمال. والإيتاء قد يشمله النزع والعطاء لا يشمله النزع. (آتيناه آياتنا فانسلخ منها) (يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء) وقد لا يستوجب الإيتاء لشخص ما أن يتصرف بما أوتي ، أما العطاء فلصاحبه حرية التصرف فيه بالوهب والمنح ولذا قال تعالى (إنا أعطيناك الكوثر) لأن الكوثر أصبح ملكا للرسول - صلى الله عليه وسلم - وكما قال الله تعالى لسيدنا سليمان - عليه السلام - (هذا عطاؤنا فامنن أو امسك بغير حساب) أي له الحق بالتصرف فيه كما يشاء. - قوله ( ألم يجدك يتيما فآوى (6) ووجدك ضالا فهدى (7) ووجدك عائلا فأغنى (8) ) هذه الآيات مرتبطة بالآيات السابقة (ما ودعك ربك وما قلى) (وللآخرة خير لك من الأولى) ومرتبطة أيضا بالقسم في أول السورة (والضحى والليل إذا سجى) والآية (ألم يجدك يتيما فآوى) تؤكد أن ربه لم يودعه ولم يقله وكذلك في ( وجدك ضالا فهدى ) وهي كلها تصب في ( وللآخرة خير لك من الأولى) فالإيواء خير من اليتم ؛ والهداية خير من الضلالة ؛ والاغناء خير من العيلة فكلها مرتبطة بالآية (ما ودعك ربك وما قلى) وتؤكد معناها. ( وللآخرة خير لك من الأولى ) فالله تعالى لم يترك رسوله - صلى الله عليه وسلم - ليتمه أو لحاجته أو للضلال هذا من ناحية ؛ ومن ناحية أخرى هي مرتبطة بالقسم فقد اقسم الله تعالى بالضحى والليل وما سجى ؛ واليتم ظلمة والإيواء هو النور وكذلك الضلال ظلمة والهدى نور (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أوليائهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات) سورة البقرة، والحاجة والعيلة ظلمة أيضا والغنى نور وبهجة. (1/245) ________________________________________ في هذه الآيات بدأ سبحانه وتعالى بالظلمة ثم النور (اليتم ثم الايواء، الضلال ثم الهدى، العيلة ثم الغنى وهذا ليناسب ويتوافق مع قوله تعالى (وللآخرة خير لك من الأولى) والأولى هي الظلمة أما الآخرة فهي النور وهي خير له من الأولى. لماذا لم يقسم سبحانه بالليل إذا سجى أولا ثم الضحى؟ الضحى هو نور الوحي وكان السكون بعد الوحي وكان القسم على اثر انقطاع الوحي فانقطاع الوحي هو الذي تأخر وليس العكس لذا جاء قسم الضحى أولا ثم الليل. لماذا تكررت كلمة ربك في هذه السورة؟ الرب معناه انه هو المعلم والمربي والمرشد والقيم وكل آيات السورة مرتبطة بكلمة الرب ( ألم يجدك يتيما فآوى....) اليتيم يحتاج لمن يقوم بأمره ويرعاه ويعلمه ويوجهه ويصلح حاله وهذه من مهام الرب واليتيم يحتاج هذه الصفات في الرب أولا ثم إن الضال يحتاج لمن يهديه والرب هو الهادي والعائل أيضا يحتاج لمن يقوم على أمره ويصلحه ويرزقه فكلمة الرب تناسب كل هذه الأشياء وترتبط بها ارتباطا أساسيا ، وكثيرا ما ارتبطت الهداية في القرآن الكريم بكلمة الرب (ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) (يهديهم ربهم بإيمانهم) (الحمد لله رب العالمين....اهدنا الصراط المستقيم) لماذا حذف المفعول للأفعال: فآوى ، فأغنى ، فهدى مثلما حذف في فعل قلى؟ (1/246) ________________________________________ ذكر المفسرون هنا عدة آراء منها : أن الحذف هو لظهور المراد لأنه تعالى كان يخاطب الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمعنى واضح ، وقسم قال إنها مراعاة لفواصل الآيات حتى لا يقال آواك وأغناك وهداك فتختلف عن فواصل باقي الآيات ولكن كما سبق آنفا قلنا إن القرآن الكريم لا يراعي الفاصلة على حساب المعنى مطلقا وهي قاعدة عامة في القرآن: المعنى أولا ثم الفاصلة القرآنية ومثال ذلك الآية في سورة طه ( إلهكم واله موسى فنسي) وكانت الفاصلة في باقي السورة مختلفة وعليه فان الحذف هنا جاء للإطلاق والدلالة على سعة الكرم. فآوى بمعنى فآواك وآوى لك وآوى بك وأغناك وأغنى لك وأغنى بك وهداك وهدى لك وهدى بك ، فلو قال سبحانه وتعالى فوجدك عائلا فأغناك لكان الغنى محصورا بالرسول - صلى الله عليه وسلم - فقط لكن عندما أفاد الإطلاق دل ذلك على انه سبحانه أغنى رسوله وأغنى به وبتعليماته فيما خص الإنفاق وغيره خلقا كثيرا وأغنى له خلقا كثيرا وكذلك آوى الرسول - صلى الله عليه وسلم - وآوى به خلقا كثيرا بتعاليمه الكثيرين وتعاليمه كانت تحض على رعاية اليتامى وحسن معاملتهم واللطف بهم وآوى لأجله الكثير من الناس لان من الناس من يؤوى اليتامى حبا برسول الله وطمعا في صحبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الجنة كما ورد في الحديث: أنا وكافل اليتيم كهاتين وأشار إلى إصبعيه. وكذلك بالنسبة للهداية فالله تعالى هدى رسوله الكريم وهدى به خلقا كثيرا ( وانك لتهدي إلى صراط مستقيم) وهدى له ولأجله من أراد سبحانه وتعالى ، إذن خلاصة القول أن الحذف هنا جاء لظهور المراد وفواصل الآيات وسعة الإطلاق كلها مجتمعة لا يتعارض احدها مع الآخر. وكذلك تناسب سعة الإطلاق هنا قوله تعالى (ولسوف يعطيك ربك فترضى). فالحذف هنا جاء للعموم والإطلاق في المعنى. (1/247) ________________________________________ لماذا ترتيب الآيات على هذا النحو؟ ألم يجدك يتيما فآوى (6) ووجدك ضالا فهدى (7) ووجدك عائلا فأغنى (8) هذا هو الترتيب الطبيعي في الحياة. اليتم يقال لمن فقد والديه أو احدهما وهو دون سن البلوغ فإذا بلغ انتفت عنه صفة اليتم ، وإذا بلغ دخل في سن التكليف الشرعي فهو يحتاج إلى الهداية ليتعلم كيف يسير في الحياة قبل أن يكون فقيرا أو غنيا وكيف يجمع المال الحلال لأن كل مال جمع من غير طريق الهداية هو سحت ثم تأتي العيلة وهي أمر آخر بعد البلوغ ؛ من الناس من يكون فقيرا أو غنيا وعلى الاثنين أن يسيرا وفق التعاليم التي تعلماها بعد البلوغ مباشرة وهذا طبيعي ويمر به كل الخلق فهذا هو التسلسل الطبيعي في الحياة.لذا فقد بدأ سبحانه بالحالة الأولى (اليتم) ثم إذا بلغ تأتي الهداية في المرتبة الثانية ، وثالثا العائل والغني يجب أن يسيرا على الهداية. - قوله ( فأما اليتيم فلا تقهر (9) وأما السائل فلا تنهر (10) وأما بنعمة ربك فحدث (11) القهر في اللغة : هو التسلط بما يؤذي ولا تقهره بمعنى لا تظلمه بتضييع حقه ولا تتسلط عليه أو لا تحتقره أو تغلب على ماله ،كل هذه المعاني تدخل تحت كلمة القهر. السائل اختلف المفسرون فيها فقال بعضهم : هو سائل المال والمعروف والصدقة ومنهم من قال : انه سائل العلم والدين والمعرفة وقسم قال انه مطلق ويشمل المعنيين ، فسواء كان السائل سائل مال وصدقة أو سائل علم ومعرفة يجب أن لا ينهر مهما كان سؤاله. لا يصح أن يزجز أو ينهر سائل المال أو سائل العلم والدين . إذا كان سائل مال أعطيناه أو رددناه بالحسنى وسائل العلم علينا أن نجيبه ونعلمه أمور الدين. (1/248) ________________________________________ أما النعمة فقال بعض المفسرين إنها النبوة وتعاليمها وقال آخرون إنها كل ما أصاب الإنسان من خير سواء كان في الدنيا أو الآخرة. وقال آخرون إنها نعمة الدين (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) (ما أنت بنعمة ربك بمجنون) والواقع أن النعمة هنا أيضا تشمل كل هذه المعاني فهي نعمة الدين يجب أن يتحدث بها ويبلغ عنها وهي نعمة الدنيا والله سبحانه يحب أن يرى اثر نعمته على عباده وان يتحدث الإنسان بنعم الله عليه وان يظهرها والنعمة عامة في الدنيا والدين وعلى الإنسان أن يحدث بهذه النعمة. (النعمة بفتح النون وردت في القرآن بمعنى العقوبات والسوء كما في قوله (ونعمة كانوا فيها فاكهين) (الكافرين أولي النعمة) لماذا اختيار كلمة (فحدث) ولم يقل (فأخبر)؟ الإخبار لا يقتضي التكرار يكفي أن تقول الخبر مرة واحدة فيكون إخبارا أما التحديث فهو يقتضي التكرار والإشاعة أكثر من مرة، وفي سياق الآية يجب أن يتكرر الحديث عن الدعوة إلى الله مرات عديدة ولا يكفي قوله مرة واحدة. ولهذا سمى الله تعالى القرآن حديثا (فليأتوا بحديث مثله). فمعنى (فحدث) في هذه الآية هو المداومة على التبليغ وتكرارها وليس الإخبار فقط فيمكن أن يتم الإخبار مرة واحدة وينتهي الأمر. وفي تسلسل الأحاديث في كتب السنة نلاحظ أنهم يقولون: حدثنا فلان عن فلان ويكررون ذلك مرة أو مرات عديدة حتى يصلوا إلى أخبرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فالرسول الكريم يخبر بالحديث ثم يتناقله الصحابة فيما بينهم ويستمر تناقل الحديث حتى يعم وينتشر. لماذا جاء ترتيب الآيات على هذا النحو؟ ( فأما اليتيم فلا تقهر، وأما السائل فلا تنهر، وأما بنعمة ربك فحدث ). أثار هذا الترتيب الكثير من الأسئلة عند المفسرين لماذا رتبت الآيات على هذه الصورة لأنه لا يرد بنفس تسلسل الآيات السابقة (الم يجدك يتيما فآوى، ووجدك ضالا فهدى، ووجدك عائلا فأغنى). (1/249) ________________________________________ لنستعرض الآيات واحدة واحدة : أما اليتيم فلا تقهر جاءت بنفس تسلسل الآية (ألم يجدك يتيما فآوى) نفس النسق. , أما السائل فلا تنهر كان من المفروض أن تأتي مقابلة للآية (ووجدك عائلا فأغنى) لكنها جاءت في مقابل الآية (ووجدك ضالا فهدى) ( وأما بنعمة ربك فحدث )، كان يجب أن تقدم باعتبار النعمة دين ويجب أن تكون مقابل ( ووجدك ضالا فهدى ) لكن الواقع أن ترتيب الآيات كما ورد في السورة هو الترتيب الأمثل، كيف؟ اليتيم ذكر أولا مقابل اليتيم ، ثم ذكر ( وأما السائل فلا تنهر ) قلنا سابقا أن السائل يشمل سائل العلم والمال وهنا اخذ بعين الاعتبار السائل عن المال والسائل عن العلم فهي إذن تكون مقابل (ووجدك ضالا فهدى) وأيضا (ووجدك عائلا فأغنى) لان السائل عن المال يجب أن لا ينهر والسائل عن العلم يجب أن لا ينهر أيضا وعليه فان الآية جاءت في المكان المناسب لتشمل الحالتين ومرتبطة بالاثنين تماما. ( وأما بنعمة ربك فحدث ) ، هي في انسب ترتيب لها فان كان المقصود بالنعمة كل ما أصاب الإنسان من خير في الدنيا فلا يمكن أن نتحدث عن النعمة إلا بعد وقوعها وليس قبل ذلك. والآيات السابقة تذكر نعم الله على الرسول فاقتضى السياق أن يكون التحدث بالنعمة آخرا أي بعد حدوث كل النعم على الرسول - صلى الله عليه وسلم -. وإذا كان المقصود بالنعمة الدين، فيجب أن يكون التحديث في المرحلة الأخيرة لأن على الداعية أن يتحلى بالخلق الكريم وفيه إشارة أن الإنسان إذا أتاه سائل عليه أن يتصف بهذه الصفات قبل أن يبلغ الناس عن النعمة (الدين) فعليه أن لا يقهر يتيما ولا ينهر سائلا ولا يرد عائلا وقد جاءت هذه الآية بعد إسباغ النعم وهو توجيه للدعاة قبل أن يتحدثوا أن يكونوا هينين لينين فقد قال تعالى (ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك) فعلى الداعية أن يتحلى بالخلق الحسن ولا ينهر سائلا. (1/250) ________________________________________ وكذلك جعل التحديث بالنعمة (وأما بنعمة ربك فحدث) جاءت بعد ( وأما السائل فلا تنهر) لان كل داعية يتعرض لأسئلة محرجة أحيانا تكون لغاية الفهم وقد تكون لنوايا مختلفة فعليه أن يتسع صدره للسائل مهما كانت نية السائل أو قصده من السؤال وعلى الداعية أن لا يستثار وإلا فشل في دعوته وقد يكون هذا هو قصد السائل أصلا من الدروس المستفادة من هذه السورة إضافة إلى ما سبق انه يحسن للإنسان تذكر أيام العسر والضيق لأنه مدعاة للشكر ومدعاة لمعاونة المبتلى أيضا لذا يجب التذكير بالماضي وما يتقلب فيه المرء من نعم ليشكر الله تعالى عليها مهما كان في ماضيه من أذى أو حرج أو ضيق فلا بأس أن يتذكر أو يذكر به حتى يشكر الله تعالى على نعمه فيكون من الشاكرين لله تعالى. لمسات بيانية في سورة التين والتين والزيتون (1) وطور سينين (2) وهذا البلد الأمين (3) ابتدأت السورة بالقسم بالتين والزيتون. والتين والزيتون قد يكون قصد بهما الشجران المعروفان، وقد ذكر المفسرون لاختيار هذين الشجرين للقسم بهما أسبابا عدة، فقد ذكروا أنه أقسم بنوعين من الشجر ، نوع ثمره ليس فيه عجم ونوع فيه عجم، وأنه ورد في الأثر أن التين من شجر الجنة فقد روي أنه أهدي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - طبق من تين فأكل منه وقال لأصحابه:" كلوا فلو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه لأن فاكهة الجنة بلا عجم". وقد ذكر أن آدم خصف من ورقه ليستر عورته حين انكشفت في الجنة. وأما الزيتون فإنه شجرة مباركة كما جاء في التنزيل العزيز. وقد ذكروا أمورا أخرى لا داعي لسردها هاهنا . (1/251) ________________________________________ ولا ندري هل لبدء السورة بالقسم بالشجر الذي يذكر أن له أصلا في الجنة أعني التين له علاقة بعدد آيات هذه السورة أو لا؟ فإن عدد آيات هذه السورة ثمانية وهن بعدد أبوبا الجنة. وقد يكون هذا القول خرصا محضا وأنا أميل إلى ذلك، ولكنا قد وجدنا شيئا من أنواع هذه العلاقات في القرآن. فقد تكرر كما سبق أن ذكرنا قوله تعالى (فبأي آلاء ربكما تكذبان ) الرحمن ) ، عند الكلام في وصف الجنة ثماني مرات بعدد أبواب الجنة، وحصل هذا مرتين في السورة، وتكرر في الوعيد سبع مرات بعدد أبواب جهنم (انظر ملاك التأويل) ابتداء من قوله (سنفرغ لكم أيها الثقلان (31) الرحمن). وقالوا إن سورة القدر ثلاثون كلمة بعدد أيام شهر رمضان وإن قوله (هي) في قوله تعالى (سلام هي حتى مطلع الفجر (5) القدر) هي الكلمة السابعة والعشرون وهي إشارة إلى أن هذه الليلة هي الليلة السابعة والعشرون من رمضان. وعلى أي حال فإن كثيرا من هذه العلاقات ربما كانت موافقات والله أعلم. وقيل: إن المقصود بالتين والزيتون جبلان من الأرض المقدسة يقال لهما بالسريانة طور تينا وطور زيتا لأنهما منبتا التين والزيتون. (التفسير الكبير 32/9، روح المعاني 30/174). والعلاقة بين التين والزيتون وما بعدهما ليست ظاهرة على هذا إلا بتكلف. وقيل: " هذه محال ثلاثة بعث الله في كل واحد منها نبيا مرسلا من أولي العزم أصحاب الشرائع الكبار فالأول: محله التين والزيتون وهي بيت المقدس التي بعث الله فيها عيسى بن مريم - عليه السلام - والثاني: طور سنين وهو طور سيناء الذي كلم الله عليه موسى بن عمران - عليه السلام -، والثالث: مكة وهو البلد الأمين الذي من دخله كان آمنا، وهو الذي أرسل فيه محمدا - صلى الله عليه وسلم - (تفسير ابن كثير 4/526). (1/252) ________________________________________ وجاء في (التبيان في أقسام القرآن): " فأقسم سبحانه بهذه الأمكنة الثلاثة العظيمة التي هي مظاهر أنبيائه ورسله، أصحاب الشرائع العظام والأمم الكثيرة. فالتين والزيتون المراد به نفس الشجرتين المعروفتين ومنبتهما وهو أرض بيته المقدس... وهو مظهر عبد الله ورسوله وكلمته وروحه عيسى بن مريم. كما أن طور سنين مظهر عبده ورسوله وكليمه موسى، فإنه الجبل الذي كلمه عليه وناجاه وأرسله إلى فرعون وقومه. ثم أقسم بالبد الأمين وهو مكة مظهر خاتم أنبيائه ورسله سيد ولد آدم. وترقى في هذا القسم من الفاضل إلى الأفضل، فبدأ بموضع مظهر المسيح، ثم ثنى بموضع مظهر الكليم، ثم ختمه بموضع مظهر عبده ورسوله وأكرم الخلق عليه. ونظير هذا بعينه في التوراة التي أنزلها الله على كليمه موسى: (جاء الله من طور سيناء وأشرق من ساعير وواستعلن من فاران). فمجيئه من طور سيناء بعثته لموسى بن عمران ، وبدأ به على حكم الترتيب الواقع، ثم ثنى بنبوة المسيح، ثم ختمه بنبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - (التبيان 35-55). وهذا هو الراجح فيما أرى لأن المناسبة بين هذه المحال المقسم بها ظاهرة على هذا. ثم لننظر إلى ترتيب هذه الأشياء المقسم بها: فقد بدأ بالتين والزيتون. والزيتون أشرف وأفضل من التين فقد شهد الله له أنه شجرة مباركة قال تعالى (الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم (35)) وهي فاكهة من وجه وإدام من وجه وزيتها يستعمل في إنارة المصابيح والسرج. (1/253) ________________________________________ ثم أقسم بطور سنين وهو أفضل مما ذكر قبل، فإنه الجبل الذي كلم الرب عليه موسى وناجاه وأرسله إلى فرعون وقومه. ثم انظر من ناحية أخرى كيف وضع طور سنين بجوار الزيتون لا بجوار التين، وقد ورد ذكر الزيتون بجوار الطور في موطن آخر من التنزيل العزيز (في ظلال القرآن 30/190) قال تعالى (وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين (20)) وهذه الشجرة هي شجرة الزيتون بإجماع المفسرين. قال الواحدي: "والمفسرون كلهم يقولون إن المراد بهذه الشجرة شجرة الزيتون (فتح القدير 3/463، روح المعاني 18/22-23)" ثم أقسم بالبلد الأمين وهو مكة المكرمة: مكان مولد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومبعثه ومكان البيت الذي هو هدى للعالمين (روح المعاني 30/173). وهو أفضل البقاع عند الله وأحبها إليه كما جاء في الحديث الشريف، فتدرج من الفاضل إلى الأفضل ومن الشريف إلى الأشرف. فأنت ترى أنه تدرج من التين إلى الزيتون إلى طور سنين إلى بلد الله الأمين، فختم بموطن الرسالة الخاتمة أشرف الرسالات. وقد وصف الله هذا البلد بصفة (الأمين) وهي صفة اختيرت هنا اختيارا مقصودا لا يسد مسدها وصف آخر. فالأمين وصف يحتمل أن يكون من الأمانة، كما يحتمل أن يكون من الأمن. وكلا المعنيين مراد. فمن حيث الأمانة وصف بالأمين لأنه مكان أداء الأمانة وهي الرسالة والأمانة ينبغي أن تؤدى في مكان أمين. فالرسالة أمانة نزل بها الروح الأمين وهو جبريل، وأداها إلى الصادق الأمين وهو محمد، في البلد الأمين وهو مكة. فانظر كيف اختير الوصف ههنا أحسن اختيار وأنسبه. فالأمانة حملها رسول موصوف بالأمانة فأداها إلى شخص موصوف بالأمانة في بلد موصوف بالأمانة. جاء في (روح المعاني): "وأمانته أن يحفظ من دخله كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه" (1/254) ________________________________________ وأما من حيث الأمن فهو البلد الآمن قبل الإسلام وبعده، دعا له سيدنا ابراهيم - عليه السلام - بالأمن قبل أن يكون بلدا وبعد أن صار بلدا فقال أولا: (وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير (126)) وقال فيما بعد: (وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام (35)) فهو مدعو له بالأمن من أبي الأنبياء. وقد استجاب الله سبحانه هذه الدعوة قال تعالى (( فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين (97)) وقال: (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود (125)). فـ (الأمين) على هذا (فعيل) للمبالغة بمعنى الآمن، ويحتمل أن تكون (الأمين) فعيلا بمعنى فعول، مثل جريح بمعنى مجروح وأسير بمعنى مأسور أي المأمون ، وذلك لأنه مأمون الغوائل (روح المعاني 30/173، البحر المحيط 8/490، الكشاف 3/348) (1/255) ________________________________________ جاء في روح المعاني: "الأمين فعيل بمعنى فاعل أي الآمن من أمن الرجل بضم الميم أمانة فهو أمين.. وأمانته أن يحفظ من دخله كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه.. وأما بمعنى مفعول أي: المأمون من (أمنه) أي: لم يخفه، ونسبته إلى البلد مجازية. والمأمون حقيقة الناس أي: لا تخاف غوائلهم فيه، أو الكلام على الحذف والإيصال أي: المأمون فيه من الغوائل (روح المعاني 30/173)". وجاء في البحر المحيط: "وأمين للمبالغة أي: آمن من فيه ومن دخله وما فيه من طير وحيوان، أو أمن الرجل بضم الميم أمانة، فهو أمين كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه. ويجوز أن يكون بمعنى مفعول من أمنه لأنه مأمون الغوائل (البحر المحيط 8/490، الكشاف 3/348)". وقد تقول: ولم اختار لفظ (الأمين) على (الآمن) الذي تردد في مواطن أخرى من القرآن الكريم؟ قال تعالى (وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون (57) القصص) وقال (أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون (67) العنكبوت) والجواب : أنه باختياره لفظ (الأمين) جمع معنيي الأمن والأمانة، وجمع معنى اسم الفاعل واسم المفعول، وجمع الحقيقة والمجاز، فهو أمين وآمن ومأمون، وهذه المعاني كلها مرادة مطلوبة. (1/256) ________________________________________ ثم انظر إلى جواب القسم وهو قوله تعالى (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم (4) التين) كيف تناسب مع المقسم به تناسبا لطيفا ولاءمه ملاءمة بديعة. فإنه أقسم بالرسالات على بداية الإنسان ونهايته فقال: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم (4)) وهذه بدايته، ثم قال: (ثم رددناه أسفل سافلين (5)) وهذه نهايته. "ثم لما كان الناس في إجابة هذه الدعوة فريقين منهم من أجاب ومنهم من أبى، ذكر حال الفريقين. فذكر حال الأكثرين وهو المردودون إلى أسفل سافلين (التبيان في أقسام القرآن 55-56) والآخرين وهم المؤمنون الذين لهم أجر غير ممنون. ولما كانت الرسالات إنما هي منهج للإنسان وشريعة له، كان الجواب يتعلق بالإنسان طبيعة ومنهجا، فذكر طبيعة الإنسان في قوله (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم (4) التين) وذكر المنهج في قوله: (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون (6)). وفي هذه إشارة إلى أن المنهج لا بد أن يكون متلائما مع الطبيعة البشرية غير متناقض لها وإلا فشل. فكان الجواب كما ترى أوفى جواب وأكمله وأنسب شيء لما قبله وما بعده. ثم انظر من ناحية أخرى إلى قوله تعالى (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم (4) التين) فإنه أسند الخلق إلى نفسه ولم يبنه للمجهول، وذلك أنه موطن بيان عظيم قدريه وحسن فعله وبديع صنعه فأسند ذلك غلى نفسه، وهذا في القرآن خط واضح، فإنه في مثل هذا المقام وفي مقام النعمة والتفضل يسند الأمر إلى نفسه قال تعالى (وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون (181) الأعراف). (1/257) ________________________________________ وقال: (أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون (71) وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون (72) يس) فانظر كيف أسند الخلق في مقام النهمة والتفضل إلى ذاته في حين قال: (يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا (28) النساء) ببناء الفعل للمجهول لما كلن القصد بيان نقص الإنسان وضعفه. وقال (خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون (37) الأنبياء) وقال (إن الإنسان خلق هلوعا (19) إذا مسه الشر جزوعا (20) وإذا مسه الخير منوعا (21) المعارج). فانظر إلى الفرق بين المقامين، وقد مر شيء من هذا في موطن سابق. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه أسند الخلق إلى نفسه لأن المقام مقام بيان منهج للإنسان، فأراد أن يبين أن واضع المنهج للإنسان هو خالق الإنسان ولا أحد غيره أعلم بما يصلح له وما هو أنسب له، ولو بنى الفعل للمجهول لم يفهم ذلك صراحة. فأنت ترى أن إسناد الخلق إلى ذات الله العلية أنسب شيء في هذا المقام. وقد تقول: ولم أسند الرد إلى أسفل سافلين إلى نفسه فقال: (ثم رددناه أسفل سافلين (5)) وهذا ليس مقام تفضل ولا بيان نعمة؟ فنقول: إن هذا الإسناد أنسب شيء هاهنا ولا يليق غيره، وذلك أنه أراد أن يذكر أن بيده البداية والنهاية، وأنه القادر أولا وأخيرا لا معقب لحكمه يفعل ما يشاء في البداية والختام، وهذا لا يكون إلا بإسناد الأمر إلى ذاته العلية. ألا ترى أنه لو قال: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رد أسفل سافلين) لكان يفهم من ذلك أن هناك رادا غيره يفسد خلقته ويهدم ما بناه؟ (1/258) ________________________________________ ومعنى قوله (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم (4) التين) أنه صيره على أحسن ما يكون في الصورة والمعنى والإدراك وفي كل ما هو أحسن (روح المعاني 30/175، البحر المحيط 8/490) من الأمور المادية والمعنوية. وقال بعدها (ثم رددناه أسفل سافلين (5)) فجاء بـ (ثم) التي تفيد الترتيب والتراخي، لأن كونه أسفل سافلين لا يعاقب خلقه بل يتراخى عنه في الزمن، فهي من حيث الوقت تفيد التراخي، كما أنها من حيث الرتبة تفيد التراخي، فرتبة كونه في أحسن تقويم تتراخى وتبعد عن رتبة كونه في أسفل سافلين، فثمة بون بعيد بين الرتبتين فأفادت (ثم) هاهنا التراخي الزماني والتراخي في الرتبة. واختلف في معنى (أسفل سافلين) فذهب قسم من المفسرين إلى أن المقصود به أرذل العمر، والمراد بذلك: الهرم وضعف القوى الظاهرة والباطنة وذهول العقل حتى يصير لا يعلم شيئا (روح المعاني 30/176، البحر المحيط 8/490) ومعنى هذا الإستثناء على هذا أن الصالحين من الهرمى لهم ثواب دائم غير منقطع (الكشاف 3/348) يكتب لهم في وقت شيخوختهم كما كان يكتب لهم في وقت صحتهم وقوتهم" وفي الحديث "إن المؤمن إذا رد لأرذل العمر كتب له ما كان يعمل في قوته" وذلك أجر غير ممنون (البحر المحيط 8/490) أي غير منقطع. وذهب آخرون إلى أن المقصود به أسفل الأماكن السافلة وهو جهنم أو الدرك الأسفل من النار. ومعنى الإستثناء على هذا ظاهر، فالصالحون مستثنون من الرد إلى ذلك. (1/259) ________________________________________ وركز بعضهم على الخصائص الروحية. جاء في ظلال القرآن: "والتركيز في هذا المقام على خصائصه الروحية. فهي التي تنتكس إلى أسفل سافلين حين ينحرف عن الفطرة ويحيد عن الإيمان المستقيم معها. فهو مهيأ لأن يبلغ من الرفعة مدى بفوق مقام الملائكة المقربين.. بينما هذا الإنسان مهيأ حين ينتكس لأن يهوي إلى الدرك الذي لا يبلغ إليه مخلوق قط: (ثم رددناه أسفل سافلين (5)) حيث تصبح البهائم أرفع وأقوم لاستقامتها على فطرتها... (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون (6)) فهؤلاء هم الذين يبقون على سواء الفطرة ويكملونها بالإيمان والعمل الصالح. ويرتقون بها إلى الكمال المقدر لها (في ظلال القرآن 30/194)". وظاهر أن معنى الآية يتسع لكل ما ذكروه، وهي تفيد أيضا أن حياة غير المؤمن نكد وغم، وعيشة ذنك وشقاء قال تعالى : (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى (124) طه) وقال : (حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق (31) الحج). (1/260) ________________________________________ فحياة هؤلاء هابطة سافلة بل هم في أسفل سافلين. ثم لننظر إلى الإستثناء وهو قوله تعالى : (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون (6) التين) فإنه استثنى من الرد أسفل سافلين من آمن وعمل صالحا ولم يزد على ذلك، فلم يقل مثل ما قال في سورة العصر (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر (3)) وذلك لاختلاف الموطنين، فإن سورة العصر في بيان الخسران الذي يصيب الإنسان، وسورة التين فيما ينجي من دركات النار، قال تعالى (والعصر (1) إن الإنسان لفي خسر (2) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر (3) العصر) فبين لنا أن الإيمان والعمل الصالح يمنعه من الرد أسفل سافلين. ولكن لا يمنعه من الخسران الذي يفوته فيما لو تواصى بالحق وبالصبر فإن كل من ترك شيئا من ذلك خسر شيئا من الأجر الذي كان يربحه فيما لو فعله، فانظر الفرق بين الموطنين وبين الإستثنائين. جاء في (التبيان) : "وتأمل حكمة القرآن لما قال: (إن الإنسان لفي خسر (2)) فإنه ضيق الإستثناء وخصصه فقال (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر (3)) ولما قال (ثم رددناه أسفل سافلين (5)) وسع الإستثناء وعممه فقال (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون (6)) ولم يقل (وتواصوا) فإن التواصي هو أمر الغير بالإيمان والعمل الصالح، وهو قدر زائد على مجرد فعله. فمن لم يكن كذلك فقد خسر هذا الربح فصار في خسر، ولا يلزم أن يكون في أسفل سافلين. (1/261) ________________________________________ فإن الإنسان قد يقوم بما يجب عليه ولا يأمر غيره، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مرتبة زائدة. وقد تكون فرضا على الأعيان، وقد تكون فرضا على الكفاية وقد تكون مستحبة. والتواصي بالحق يدخل فيه الحق الذي يجب، والحق الذي يستحب، والصبر يدخل فيه الصبر الذي يجب والصبر الذي يستحب. فهؤلاء إذا تواصوا بالحق وتواصوا بالصبر حصل لهم من الربح ما خسره أولئك الذين قاموا بما يجب عليهم في أنفسهم ولم يأمروا غيرهم به. وإن كان أولئك لم يكونوا من الذين خسروا أنفسهم وأهليهم. فمطلق الخسار شيء والخسار المطلق شيء (التبيان 91)". ثم قال: (فلهم أجر غير ممنون) قيل: ومعنى غير ممنون غير منقوص ولا منقطع، وقيل معناه غير مكدر بالمن عليهم (البحر المحيط 8/490، روح المعاني 30/176). والحق أن كل ذلك مراد وهو من صفات الثواب، لأنه يجب أن يكون غير منقطع ولا منغصا بالمنة (التفسير الكبير 32/11). فقال: (غير ممنون) ليجمع هذه المعاني كلها، ولم يقل غير مقطوع ولا نحو ذلك فيفيد معنى دون آخر. (1/262) ________________________________________ ثم انظر كيف زاد الفاء في قوله (فلهم أجر غير ممنون) ولم يفعل مثل ذلك في آية شبيهة بها وهي قوله (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون (25) الإنشقاق) بدون فاء. وذلك لأن السياقين مختلفان، فسياق سورة الإنشقاق أكثره في ذكر الكافرين، وقد أطال في ذرهم ووصف عذابهم فقال: (وأما من أوتي كتابه وراء ظهره (10) فسوف يدعو ثبورا (11) ويصلى سعيرا (12) إنه كان في أهله مسرورا (13) إنه ظن أن لن يحور (14) بلى إن ربه كان به بصيرا (15) الإنشقاق) ثم قال مقرعا للكافرين مؤنبا لهم : (فما لهم لا يؤمنون (20) وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون {س} (21) بل الذين كفروا يكذبون (22) والله أعلم بما يوعون (23) فبشرهم بعذاب أليم (24) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون (25)) في حين لم يزد في الكلام على المؤمنين عن قوله (فأما من أوتي كتابه بيمينه (7) فسوف يحاسب حسابا يسيرا (8) وينقلب إلى أهله مسرورا (9) الإنشقاق). فانظر كيف أطال في وصف الكافرين وأعمالهم وعقابهم، وأوجز في الكلام على المؤمنين، ولذا حذف الفاء من جزاء المؤمنين في سورة الإنشقاق مناسبة للإيجاز. في حين لم يذكر الكافرين في سورة التين ولم يزد على أن قال (( ثم رددناه أسفل سافلين (5) التين) يعني الإنسان، وهو غير صريح في أن المقصود به الكافرون أو غيرهم كما أسلفنا. (1/263) ________________________________________ ثم انظر إلى كل من السورتين كيف تناولت الكلام على الإنسان. فقد بدأت سورة الإنشقاق بذكر كدح الإنسان ومشقته ونصبه (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه (6) الإنشقاق) وتوعده ربه بركوب الأهوال والشدائد المتتابعة التي يفوق بعضها بعضا في الشدة فقال (فلا أقسم بالشفق (16) والليل وما وسق (17) والقمر إذا اتسق (18) لتركبن طبقا عن طبق (19)). في حين بدأ في سورة التين بتكريم الإنسان فقال (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم (4) التين) فناسب ذلك تأكيد استمرار أجره وعدم تنغيصه، وذلك بزيادة الفاء في التين دون الإنشقاق. ثم قال بعدها (فما يكذبك بعد بالدين (7) التين) والمعنى: أي شيء يجعلك أيها الإنسان مكذبا بالجزاء بعد هذا الدليل الواضح؟ والمعنى: إن خلق الإنسان من نطفة وتقويمه بشرا سويا وتدريجه في مراتب الزيادة إلى أن يكمل ويستوي مع تحويله من حال إلى حال، أوضح دليل على قدرة الخالق على الحشر والنشر (الكشاف 3/349، التفسير الكبير 32/12) فإن الذي خلقك أقدر على أن يعيدك بعد موتك وينشئك خلقا جديدا، وأن ذلك لو أعجزه لأعجزه خلقك الأول (التبيان 61). فانظر جلالة ارتباط هذا الكلام بما قبله. ثم انظر كيف استدل على الجزاء بالأدلة النقلية والعقلية. فالدليل النقلي هو ما أخبرت به الرسالات السماوية، وقد ذكر من هذه الرسالات كبراها وهي رسالات موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام. والدليل العقلي هو الإستدلال بخلق الإنسان في أحسن تقويم وتدريجه في مراتب الزيادة والنقص. (1/264) ________________________________________ ثم انظر كيف اختار كلمة (الدين) ولم يختر كلمة الجزاء أو الحساب أو النشور ونحوها، وذلك لما تقدم ذكر مواطن الرسالات ناسب ذلك ذكر الدين، لأن هذه أديان، ولأنه قد يراد بذلك معنى (الدين) علاوة على معنى الجزاء. والمعنى أي شيء يجعلك مكذبا بصحة الدين بعد هذه الأدلة المتقدمة؟ فالذي خلقك في أحسن تقويم يرسم لك أحسن منهج تسعد به في الدنيا وفي الآخرة. فجمعت كلمة (الدين) معنى الدين ومعنى الجزاء في آن واحد، ولو قال فما الذي يكذبك بالجزاء لم يجمع هذين المعنيين. فأنت ترى أنه اختار كلمة (الدين) لتقع في موقعها المناسب لها تماما. ثم قال بعدها: (أليس الله بأحكم الحاكمين (8)) وأحكم الحاكمين يحتمل أن يكون معناه: أعظم ذوي الحكمة وأحسنهم تدبيرا، ويحتمل أن يكون معناه أقضى القاضين، لأن (حكم) يحتمل أن يكون من الحكمة، ويحتمل أن يكون من القضاء وهو الفصل في المحاكم. وعلى الوجه الأول يكون المعنى: أليس الذي فعل ذلك بأحكم الحاكمين صنيعا وتدبيرا وأن حكمته بالغة لا حدود لها. وإذا تبين أن الله سبحانه أحكم الحاكمين –وهو بين- تعينت الإعادة والجزاء لأن حكمته تأبى أن يترك الإنسان سدى ولا يحاسب على أعماله، فكيف يليق بأحكم الحاكمين أن لا يجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته؟ وهل ذلك إلا قدح في حكمه وحكمته (التبيان 33 وما بعدها، التفسير الكبير 32/12). وعلى الوجه الثاني يكون المعنى: أليس الله بأقضى القاضين (روح المعاني 30/177، مجمع البيان 10/512) فيحكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون، كما قال تعالى (قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون (46) الزمر) (1/265) ________________________________________ فانظر قوة ارتباط هذه الآية بما قبلها على كلا الوجهين، فإن حكمته تقتضي الإعادة والجزاء. والجزاء والفصل بين الخلائق يقتضي وجود قاض، بل يقتضي وجود أقضى القاضين. فجمع بهذه العبارة معنيين: القضاء والحكمة بل لقد جمع معاني عدة بهذا التعبير، إذ كل لفظ من (أحكم الحاكمين) يحتمل أن يكون بمعنى القضاء والحكمة فيكون قد جمع أربعة معان كلها مرادة وهي (أحكم الحاكمين) بمعنى أكثرهم حكمة و(أقضى الحكماء) و(أقضى القضاة) و(أحكم القضاة). فانظر كيف جمع أربعة معان تؤدي بأربع عبارات في عبارة واحدة موجزة ولو قال (أقضى القاضين) لدلت على معنى واحد. ثم انظر كيف جعل ذلك بأسلوب الإستفهام التقريري ولم يجعله بالأسلوب الخبري فهو لم يقل (إن الله أحكم الحاكمين) ولا نحو ذلك، وإنما قرر المخاطب ليقوله بنفسه وليشترك في إصدار الحكم فيقول: بلى (وأنا على ذلكم من الشاهدين) ثم انظر إلى ارتباط خاتمة السورة بفاتحتها، فإن فاتحة السورة في ذكر مواطن الرسالات العظمى وارتباطها بخاتمتها واضح بينـ فإن الذي أنزل هذه الشرائع العظيمة وما تضمنته من أحكام سامية هو أحكم الحاكمين. ثم انظر إلى التنسيق الجميل في إختيار خواتم الآي، فإن خاتمة كل آية اختيرت لتجمع عدة معان في آن واحد. فاختيرت (الأمين) لتجمع معنيي الأمن والأمانة، و(أسفل سافلين) لتجمع معنى غير منقطع ولا منغص بالمنة عليهم، وكلمة (الدين) لتجمع الجزاء والدين، و(أحكم الحاكمين) لنجمع الحكمة والقضاء. فانظر إلى هذا الدقة في الإختيار وهذا الحسن في التنسيق. أليس الذي قال بأحكم الحاكمين؟ بلى وأنا على ذلك من الشاهدين. لمسات بيانية في سورة الكوثر لماذا قال الله تعالى أعطيناك ولم يقل آتيناك؟ سورة الكوثر تأتي بعد سورة الماعون (أرأيت الذي يكذب بالدين..) وهي تقابل هذه السورة من نواحي عديدة: سورة الكوثرSs إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر (المقصود بالنحر التصدق) ... سورة الماعون (1/266) ________________________________________ فصل لربك وانحر (أمر بالصلاة ودوام عليها) ... أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون فصل لربك وانحر (إخلاص الصلاة لله) ... فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون (سهو عن الصلاة) إنا أعطيناك الكوثر (الكوثر نهر في الجنة وهذا تصديق بيوم الدين والجزاء) ... الذين هم يرآؤون (مرآءاة في الصلاة) إن شانئك هو الأبتر (والأبتر هو من انقطع عمله من كل خير ... الذي يكذب بيوم الدين (لا يصدق بالجزاء ويوم الدين) sكل الصفات في هذه السورة تدل على الأبتر لأنه انقطع الخير عنه فهو الأبتر حقيقة (يكذب بيوم الدين, لا يدع اليتيم، لا يحض على طعام المسكين، ...)s وسورة الكوثر هي انجاز لما وعد الله تعالى رسوله في سورة الضحى (ولسوف يعطيك ربك فترضى) في سورة الضحى وعد من الله بالإعطاء وفي سورة الكوثر عطاء وتحقق العطاء. وفي سورة الكوثر قال تعالى (إنا أعطيناك الكوثر) وإنا تفيد التوكيد وفي سورة الضحى (ولسوف يعطيك ربك فترضى) ولسوف تفيد التوكيد أيضا. وفي سورة الكوثر (فصل لربك وانحر) وفي الضحى (ولسوف يعطيك ربك فترضى) اي فصل لربك الذي وعدك بان يعطيك وأنجز الوعد. إنا أعطيناك: في بناء الآية لغويا يوجد تقديم الضمير إنا على الفعل أعطيناك وهو تقديم مؤكد تأكيد بـ (إن) وتقديم أيضا. فلماذا قدم الضمير إنا؟ أهم أغراض التقديم هو الاهتمام والاختصاص. فعندما نقول أنا فعلت بمعنى فعلته أنا لا غيري (اختصاص) وأنه خلق الزوجين ...ونوحا هدينا من قبل.. (تفيد الاهتمام) ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان...(تفيد الاهتمام ) لم يقصر السماع عليهم وحدهم إنما سمع غيرهم أيضا. (1/267) ________________________________________ في الآية إنا أعطيناك الكوثر يوجد الأمران: الاختصاص والاهتمام ؛ فالله تعالى أعطى نبيه الكوثر اختصاصا له وليس لأحد سواه وللإهتمام أيضا وإذا كان ربه هو الذي أعطاه حصرا فلا يمكن لأي أحد أن ينزع ما أعطاه الله من حيث التأكيد في تركيب الجملة. إنا: ضمير التعظيم ومؤكد أعطيناك: لماذا لم يقل آتيناك؟ هناك تقارب صوتي بين آتى وأعطى وتقارب من حيث المعنى أيضا لكن آتى تستعمل لما هو أوسع من أعطى في اللغة فقد يتقاربان. آتى تستعمل لأعطى وما لا يصح لأعطى (يؤتي الحكمة من يشاء) (ولقد آتينا موسى تسع آيات) ( وآتيناهم ملكا عظيما). آتى تستعمل للرحمة، للحكمة، للأموال (وآتى المال على حبه) وتستعمل للرشد (وآتينا إبراهيم رشده). آتى تستعمل عادة للأمور المعنوية (لقد آتيناك من لدنا ذكرا) وقد تستعمل للأمور المادية أيضا. أما أعطى فهي تستعمل في الأمور المادية فقط (وأعطى قليلا وأكدى) (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى) إذن آتى تستعمل للأموال وغير الأموال وأكثر استعمالها للأمور الواسعة والعظيمة كالملك والرشد والحكمة. وأعطى للتخصيص على الأغلب وهناك أمور لا يصح فيها استعمال أعطى أصلا كالحكمة والرشد. وما دامت كلمة آتى أوسع استعمالا فلماذا إذن لم يستعمل آتى بدل أعطى؟ الإيتاء يشمله النزع بمعنى انه ليس تمليكا إنما العطاء تمليك. والإيتاء ليس بالضرورة تمليكا (تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء) (وآتيناه من الكنوز....ثم خسفنا به وبداره الأرض) إذن الإيتاء يشمله النزع أما العطاء فهو تمليك. في الملك يستعمل الإيتاء لأنه قد ينزعه سبحانه أما العطاء فهو للتمليك وبما انه تمليك للشخص فله حق التصرف فيه وليس له ذلك في الإيتاء. (رب هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي.... هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب) أي بما انه عطاء من الله تعالى لسيدنا سليمان فله حق التصرف في عطاء الله له. (1/268) ________________________________________ وقد يكون الإيتاء آية فليس للنبي حق التصرف بها بل عليه تبليغها ورب العالمين ملك رسوله - صلى الله عليه وسلم - الكوثر وأعطاه إياه تمليكا له أن يتصرف فيه كيفما شاء. لماذا قال تعالى الكوثر ولم يقل الكثير؟ الكوثر من صفات المبالغة تفيد (فوعل وفيعل) تدل على المبالغة المفرطة في الخير. وقيل عن الكوثر انه نهر في الجنة وقيل الحوض وقيل رفعة الذكر وغيره وكل ما قيل يشمل الخير الذي أعطاه الله تعالى لرسوله - صلى الله عليه وسلم - فهو كوثر ومن الكوثر أي الخير الذي انعم الله تعالى على رسوله به. والكوثر يدل على الكثرة المفرطة في الشيء والفرق بين الكوثر والكثير ان الكوثر قد تكون صفة وقد تكون ذاتا أما الكثير فهي صفة فقط. وكون الكوثر صفة يدل على الخير الكثير وليس على الكثرة (الكثير هو الكثرة) ولكن الكوثر تدل على الخير الكثير والكثرة قد تكون في الخير وغيره. فالكوثر هو بالإضافة إلى الكثرة المفرطة فهو في الخير خصوصا. وقد تكون الكوثر الذات الموصوفة بالخير (يقال أقبل السيد الكوثر أي السيد الكثير الخير و العطاء) ولا يقال اقبل الكثير. النهر عادة هو ذات ولكنه ذات موصوف بكثرة الخير. فالكوثر أولى من الكثير لما فيه من الكثرة المفرطة مع الخير وهناك قراءة للآية (الكيثر) وهي صفة مشابهة مثل الفيصل. والواو أقوى من الياء فأعطى الله تعالى الوصف الأقوى وهو الكوثر وليس الكثير. وفي هذه الآية حذف للموصوف فلم يقل تعالى ماء كوثرا ولا مالا كوثرا وإنما قال الكوثر فقط لإطلاق الخير كله. وعندما عرف الكوثر بأل التعريف دخل في معناها النهر ولو قال كوثر لما دخل النهر فيه لكن حذف الموصوف أفاد الإطلاق وجمع كل الخير. وعندما أعطى الله تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم - الخير المطلق والكثير فهو في حاجة للتوكيد والتعظيم ولذلك قال إنا مع ضمير التعظيم لأنه يتناسب مع الخير الكثير والمطلق وناسبه التوكيد أيضا في إنا. (1/269) ________________________________________ - قوله ( فصل لربك وانحر ) لماذا لم يقل سبحانه وتعالى فصل لنا أو صل لله ولماذا قال انحر ولم يقل ضحي أو اذبح. بعد أن بشر الله تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم - بإعطائه الكوثر جاء السبب بالفاء أي أراد منه أن يشكر النعمة التي أعطاه إياها ، ينبغي تلقي النعم بالشكر ولم يقل له فاشكر لان الشكر قد يكون قليلا أو كثيرا فلو قال الحمد لله فقط لكان شاكرا لكن هذا الأمر الكبير والعطاء الكبير يستوجب الحمد الكثير ولذا طلب الله تعالى من رسوله - صلى الله عليه وسلم - شيئين الأول يتعلق بالله تعالى وهو الصلاة والثاني يتعلق بالعباد وهو النحر. والصلاة أعظم ركن من أركان الإسلام وهو أعلى درجات الشكر لله والنحر وفيه إعطاء خلق الله والشفقة بخلق الله. فشكر النعم يكون بأمرين شكر الله والإحسان إلى خلقه من الشكر أيضا وعندما نحسن إلى خلق الله يكون هذا من شكر نعم الله. وقدم الله تعالى الصلاة على النحر لأن الصلاة أهم من النحر وهي ركن من أركان الإسلام وأول ما يسأل العبد عنه يوم الحساب والمفروض أن تكون خمس مرات في اليوم والليلة ولهذا فهي أعم من النحر لأن النحر يكون مع التمكن المادي فقط في حين أن الصلاة لا تسقط عن العباد في أي حال من الأحوال من مرض أو فقر أو غيره. وقد وردت الصلاة في القرآن على عدة صور فهي إن كانت من الله تعالى فهي رحمة ، ومن الرسول - صلى الله عليه وسلم - دعاء ، ومن العباد عبادة وقول وفعل وحركة الصلاة. وكلما ورد ذكر الصلاة والزكاة في القرآن تتقدم الصلاة على الزكاة لأنها أعم وأهم. فصل لربك: لماذا لم يقل فصل لله أو فصل لنا؟ اللام في (لربك) تفيد الاختصاص والقصد أن الصلاة لا تكون إلا لله وحده وهي مقابلة لما ورد في ذكر المرائين في الصلاة في سورة الماعون (الذين هم عن صلاتهم ساهون، الذين هم يرآؤون ويمنعون الماعون) أما في سورة الكوثر فجاءت فصل لربك أي داوم على الصلاة لربك وليس كالمرائين. (1/270) ________________________________________ لماذا لم يقل فصل لنا؟ في اللغة تسمى التفات من الغيبة إلى الحضور أو العكس. الصلاة تكون للرب وليس للمعطي فإذا قال فصل لنا لأفاد أن الصلاة تكون للمعطي ولكن الصحيح أن المعطي له الشكر فقط وليس الصلاة حتى لا يتوهم أن الصلاة تكون لأي معطي والصلاة حق لله وحده إنما المعطي له الشكر فقط. وكذلك قال تعالى إنا أعطيناك باستخدام ضمير التعظيم فلو قال فصل لنا لأوهم انه فيه شرك (انه تعالى له شريك والعياذ بالله) أو انه يمكن استخدام ضمير التعظيم للجمع ملاحظة: في القرآن كله لا يوجد موضع ذكر فيه ضمير التعظيم إلا سبقه أو تبعه إفراد بما يفيد وحدانية الله تعالى (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ...إنا لله وإنا إليه راجعون) (كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله) (ألم نشرح لك صدرك، ووضعنا عنك وزرك....وإلى ربك فارغب) ولم يقل والينا فارغب. وهكذا يتبين انه لم يذكر ضمير التعظيم في القرآن كله إلا سبقه أو تبعه ما يدل على الإفراد تجنبا للشرك. واختيار كلمة الرب بدل كلمة الله (فصل لربك ولم يقل فصل لله) هذه الآية انجاز لما وعد الله تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم - في سورة الضحى (ولسوف يعطيك ربك فترضى) ومعناها صل لربك الذي أنجز الوعد الذي وعدك إياه. والعطاء من الرعاية ولم يرد في القرآن كله لفظ العطاء إلا مع لفظ الرب (ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) (ولسوف يعطيك ربك فترضى) (كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محذورا) (جزاء من ربك عطاء حسابا) لم تقترن كلمة العطاء في القرآن كله بغير لفظ الرب، والرب هو المربي والمعطي والقيم. لماذا قال : ( وانحر ) ولم يقل واذبح؟ (1/271) ________________________________________ النحر في اللغة : يتعلق بنحر الإبل فقط ولا تستعمل مع غير الإبل. يقال ذبح الشاة وقد يستعمل الذبح للجميع وللبقر والطيور والشاة والإبل لكن النحر خاص بالإبل لأنها تنحر من نحرها فأراد الله تعالى أن يتصدق بأعز الأشياء عند العرب فلو قال اذبح لكان جائزا أن يذبح طيرا أو غير ذلك ومعروف أن الإبل من خيار أموال العرب. وبما أن الله تعالى أعطى رسوله - صلى الله عليه وسلم - الخير الكثير والكوثر فلا يناسب هذا العطاء الكبير أن يكون الشكر عليه قليلا لذا اختار الصلاة والنحر وهما أعظم أنواع الشكر. لماذا لم يقل وتصدق؟ الصدقة تشمل القليل والكثير فلو تصدق احدهم بدرهم أو بطير لكفى المعنى ولكن الله تعالى أراد التصدق بخير الأموال ليتناسب مع العطاء الكثير. لماذا لم يقل وزكي؟ الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يملك النصاب للزكاة أصلا فهي غير واردة على الإطلاق ثم إن الزكاة تجب مرة واحدة في العام وبنسبة 2.5 % فقط ولما اختلف عما فرضه الله تعالى على المسلمين جميعا ولن تكون شكرا خاصا لله تعالى على عطائه الكثير ألا وهو الكوثر. لماذا لم يقل وضحى؟ الأضحية هي كل ما تصح به الأضحية الشرعية فلو ضحى بشاة لكفت ، والأضحية لها وقتها وهو أربعة أيام يوم النحر و أيام التشريق فقط والله تعالى لم يرد أن يحصر الشكر له على عطائه الكثير بأيام محددة. اختلف المفسرون بالصلاة والنحر أهي صلاة العيد أو عامة الصلاة أو خاصة والمعنى في الآية (فصل لربك وانحر) تشمل كل هذه الحالات ففي العيد يكون النحر بعد الصلاة ولكن الكثير من المفسرين قالوا إنها عامة ويدخل فيها صلاة العيد والأضحية. لماذا لم يقل فصل لربك وانحر لربك؟ أو انحر له؟ إن المتعلق الأول لربك كأنما يغني عن المتعلق الثاني وهو ما يسمى بظهور المراد أي يفهم من الآية فصل لربك وانحر لربك . (1/272) ________________________________________ الصلاة أهم من النحر لأنها لا تسقط بأي حال من الأحوال فجعل المتعلق بما هو أهم والنحر لا يكون إلا مع الاستطاعة . الصلاة لا تكون إلا عبادة ولا تكون غير ذلك أما النحر فقد يكون إما للعبادة وقد يكون للأكل فقط وليست بهدف العبادة لذا النحر يختلف عن الصلاة. وإذا كان النحر عبادة فلا يكون إلا لله تعالى وملعون من ذبح لغير الله فلو قال وانحر لربك لألزم أن يكون النحر فقط عبادة ولما جاز لغير العبادة أبدا . لماذا لم يقل وتقرب؟ القربان من التقرب ولقد ورد القربان مرة واحدة في القرآن الكريم في حادثة ابني آدم عليه السلام. - قوله ( إن شانئك هو الأبتر ) نزلت هذه الآية لما مات ابني الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقالت قريش بتر محمد وإذا مات أبناء الشخص المذكور يقال له أبتر. ما هو تعريف كلمة الأبتر وما معناها؟ الأبتر في اللغة لها عدة معاني: 1. كل أمر انقطع من الخير أثره فهو أبتر 2. إذا مات أولاد الشخص الذكور أو ليس له أولاد ذكور أصلا 3. الخاسر يسمى أبتر من أشهر ما ذكر في أسباب النزول حادثة وفاة ابني الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو الأبتر" يقال هو الغني لتفيد التخصيص. هو غني : أي هو من جملة الأغنياء. أراد الله تعالى أن يخصص الشانئ بالأبتر ولم يقل إن شانئك هو أبتر. هو في الآية ضمير منفصل وتعريف الأبتر بأل التعريف حصر البتر بالشانئ تخصيصا. شنئان: بغض. جعل الله تعالى مجرد بغض الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو خسارة وهذه خاصة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -. لم يقل عدوك هو الأبتر لأن مجرد الشنئان للرسول - صلى الله عليه وسلم - هو بغض وخسارة ولو لم يعلن عداوته علنا (فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن) لماذا قال الأبتر ولم يقل المبتور؟ الأبتر صفة مشبهة على وزن أفعل تفيد الثبوت مثل الأحمر والأعرج والأسمر والأصلع. المبتور صيغة فعول تدل على الحدوث فترة مثل مهموم ومحزون ومسرور ولا تدل على الثبوت بل تتحول. (1/273) ________________________________________ فاستخدام الأبتر وجب بكل معاني البتر مع استمرارية هذه الصفة مع انقطاع ذريته حقيقة أو حكما ويقال إن شانيء الرسول - صلى الله عليه وسلم - انقطع نسله بتاتا إما بانقطاع الذرية أصلا أو بإسلام ذريته من بعده فلا يدعون لأبيهم الكافر أبدا فينقطع أيضا ذريته وذكره بعد موته، فقد بتر من الذرية وبتر من الخير أيضا (وورد أن شانيء الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو أبو جهل الذي اسلم أبناؤه كلهم وآمنوا بالله وبرسوله - صلى الله عليه وسلم -). لماذا لم يقل وجعلنا شانئك هو الأبتر او سنجعل شانئك هو الأبتر؟ الخير الكثير هو الذي يعطيه الله تعالى والعطاء يقاس بقدر العطاء وقيمته وبقدر المعطي فاذا كان المعطي عظيما كان العطاء عظيما. من ناحية المعطي ليس هناك أعظم من الله تعالى والكوثر هو الخير الكثير اما الأبتر فهو ليس جعلا إنما صفته الأصلية فهناك فرق بين جعل الإنسان بصفة معينة او انه كذلك بصفته الأصلية. شانئك : من حيث البيان هي أقوى الألفاظ وفي قراءة (شنئك) تفيد أن الأبتر هو الذي بالغ في الشنئ. ارتبط آخر السورة بأولها فالله تعالى أعطى في أولها الكثير من الخير وفي المقابل جاءت كلمة الأبتر وهو الذي خسر كل شيء والذي انقطع أثره من كل خير مقابل الخير الكثير الذي أعطاه الله تعالى للرسول - صلى الله عليه وسلم -. الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يخسر لا في الدنيا ولا في الآخرة وهو ليس بالأبتر فالرسول - صلى الله عليه وسلم - يذكر اسمه في كل ثانية وهذا خاص بسيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - إنما الشانيء فهو الأبتر في الدنيا والآخرة وهو الخاسر ماديا ومعنويا. لما أمر الله تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالنحر (فصل لربك وانحر) مكنه من مئة من الإبل نحرها بعد نزول الآية شكرا لله تعالى على نعمه الكثيرة. لمسات بيانية في سورة الناس (1/274) ________________________________________ المعوذتان هما سورتان في القرآن الكريم جمعتا الإستعاذة من الشرور كلها الظاهرة والخفية والواقعة على الإنسان من الخارج والتي تصدر منه من الداخل. فسورة الفلق تضمنت الإستعاذة من الشرور الظاهرة والخفية الواقعة على الإنسان من الخارج ولا يمكن للإنسان دفعها ولا سبيل لذلك إلا بالصبر لأن الإنسان الصابر إذا صبر على هذه الشرور ينال الأجر من الله تعالى على صبره ويزيد في ميزان حسناته لأن الله تعالى يجزي الصابرين.والشر في سورة الفلق مما لا يدخل تحت التكليف ولا يطلب منه الكف عنه لأنه ليس من كسبه فهو غير محاسب عليه أما سورة الناس التي بين أيدينا فهي سورة الإستعاذة ؛ من سور الإنسان الداخلية (النابعة من نفسه) وهي التي تقع على الإنسان نفسه أو على غيره وهي التي يستطيع الإنسان أن يدفعها ويتجنب ظلم النفس والآخرين وهذه الشرور إذا وقع فيها الإنسان يكون في صحيفة سيئاته.والشر المقصود في هذه السورة هو مما يدخل تحت التكليف ويحاسب عليه المرء لأنه يدخل ضمن ما نهي عنه . السورتان جمعتا الاستعاذة من الشرور كلها الظاهرة والخفية.. ما يدخل تحت التكليف (ما جاء في الناس)، وما لا يدخل في التكليف (ما جاء في الفلق) .. ما لا يستطيع دفعه (الفلق) وما يستطيع دفعه (الناس (ما يدخل سجل الحسنات (الفلق) وما يدخل سجل السيئات (الناس.( وكما قال عدد من المفسرين والمحققين: سورة الفلق استعاذة بالله من شرور المصائب وسورة الناس استعاذة بالله من شرور المعايب. - قوله ( قل أعوذ برب الناس - ) أعوذ بالله: لغة هي بمعنى ألتجئ وأعتصم بالله. (1/275) ________________________________________ قل: أمر الله تعالى للرسول - صلى الله عليه وسلم - بأن يقول (قل) والأمر بالقول له أهمية كبيرة هنا ولو حذف الفعل لاختل المعنى المقصود. (قل) للإفصاح عن ضعفه والتجائه إلى ربه، فكلمة (قل) هي من باب الإفصاح والإعلان عن حاجة الإنسان إلى ربه جل وعلا،وهو يفصح عن حاجته هذه بنفسه وينطقها بلسانه. وفيها قتل للغرور لأن الكبر والغرور يمنعان المرء أحيانا من طلب الإعانة وهو في حاجة شديدة إليها، ولأن الذي يطلب المعونة من غيره يمتنع عن الغرور، ولا يكتفي الإنسان بالشعور بالحاجة إلى ربه لكن ينبغي أن يعلن حاجته لربه سواء أكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو غيره من الناس. قالوا أتشكو إليه ما ليس يخفى عليه فقلت ربي يرضى ذل العزيز لديه قل: في هذا الإعلان قتل بل علاج للكبر والغرور الذي في نفس الإنسان والذي قد يودي به إلى الطغيان. (إن الإنسان ليطغى. أن رآه استغنى) لذلك لابد من قولها باللسان ولا يجوز النطق بالاستعاذة دون الأمر (قل( وهذا القول من أسباب الطاعة فإذا استعنا بالله ليعصمنا من الشرور فإنها من أسباب الطاعة له سبحانه. وإذا صاحب الإستعاذة شعور بالنفس بالحاجة إلى غياث المستغيثين ليأوي إلى ركن شديد فهذا الشعور بالحاجة إلى مولاه فهذا الشعور يلين القلوب القاسية. - قوله ( قل أعوذ برب الناس - ملك الناس - إله الناس - ) (1/276) ________________________________________ الإستعاذة في السورة هي بـ: رب الناس، بملك الناس، وبإله الناس من شر الوسواس الخناس. فالمستعاذ منه شر واحد والإستعاذة منه جاءت بالرب والملك والإله من وسوسة الشيطان المهلكة. وهذا بخلاف ما جاء في سورة الفلق حيث كانت الإستعاذة بشيء واحد من شرور متعددة. وفي هذا إشارة عظيمة إلى خطورة الوسوسة على الإنسان وعلى غيره لأنه إن استجاب لهذه الوساوس فقد يردي نفسه في الدنيا والآخرة، أما الأمر الذي ليس من كسبه (ما جاء في سورة الفلق) فقد استعاذ منه بأمر واحد وهذه لفتة بيانية عظيمة من هاتين السورتين الكريمتين إلى خطورة البشر وخطورة الوسوسة . وجاء الترتيب في سورة الناس على الشكل التالي: رب، ملك، إله. فالإنسان إذا وقع في حاجة يستعين أولا بخبرته وعلمه أو بمن له خبرة وتجربة ليرشده وليشير عليه بما يفعل وهذا هو شأن الرب أي المربي فهو المرشد والمعلم والموجه ولذا بدأت الآيات به (رب الناس). فإذا لم ينجح فيما يريد لجأ إلى السلطة وصاحبها أي الملك (ملك الناس) فإن لم تجدي السلطة نفعا التجأ إلى الله تعالى (إله الناس) والترتيب في الآيات في السورة هو على سياق هذا الترتيب وكحاجة الإنسان للتعامل في الحياة. وهو واضح في مراحل حياة الإنسان ومعاشهم، فالأجنة هي البداية ثم يخرج الناس للحياة ليواجهوا المربي الذي يقدم لهم ما يحتاجونه من تربية ورعاية، فإذا كبروا احتاجوا إلى المجتمع وما ينظم علاقتهم به، ثم يأتي سن التكليف حيث يحاسبه الإله. والمجتمعات عموما بين الربوبية والملك، فكل مجتمع يحتاج صغاره إلى المربي ثم إلى السلطة، أما الألوهية فتتأخر وقد تخفى على بعض الناس وتحيطها الشكوك والأوهام .. والإلحاد .. وتحتاج إلى تذكير. (1/277) ________________________________________ وقد تدرجت الآيات من الكثرة إلى القلة فالرب هو المرشد الموجه وقد يكون هناك العديد من المرشدين والمربين في المجتمع لكن لكل دولة ملك واحد والدنيا فيها ملوك كثر ولكن الإله واحد للكل فانتقل في السياق من الكثرة للقلة من حيث دلالة الكلمة بالعدد (الرب كثير، الملك أقل وأما الإله فهو واحد). وردت كلمة الناس 3 مرات في السورة وكل منها تعني مجموعة من الناس مختلفة عن غيرها نوضحها فيما يلي: كلمة " الناس " تطلق على مجموعة قليلة من الناس أو واحد من الناس أو كل الناس. والرب هو مرشد مجموعة من الناس قد تكون قليلة أو كثيرة، أما الملك فناسه أكبر من ناس المربي وأما الإله فهو إله كل الناس وناسه الأكثر حتما. فلو جاءت الآيات برب الناس وملكهم وإلههم لعاد المعنى كله إلى المجموعة الأولى من الناس (ناس الرب) دون أن يشمل غيرهم ولما تحدد أي مجموعة من الناس. لذلك لا يغني الضمير هنا، بل لا بد من تكرار المضاف إليه مذكورا صريحا، لأن لكل معنى مختلف. . وكلمة الناس من حيث دلالتها العديدة في السورة تنتقل على عكس كلمة الرب والملك والإله من القلة إلى الكثرة. فالتدرج في الصفات بدأ من الكثرة إلى القلة، أما في المضاف إليه (الناس) فبالعكس من القلة إلى الكثرة، فناس المربي أقل، وناس الملك أكثر، وناس الإله هم الأكثر. ولم تأتي الآيات في السورة بواو العطف فيما بينها ولا يجوز أصلا أن يقول (برب الناس وملك الناس وإله الناس) وإنما جاءت (قل أعوذ برب الناس* ملك الناس* إله الناس) وهذا حتى لا يظن أنهم ذوات مختلفة لأنها هي ذات واحدة فهو سبحانه المربي وهو الملك وهو الإله الواحد.وحتى لا يظن أن المقصود أكثر من واحد، بل هو واحد سبحانه، فمن أراد الرب يقصد رب الناس ومن أراد الملك يقصد ملك الناس ومن أراد الإله يقصد إله الناس فلا إله إلا الله - قوله ( من شر الوسواس الخناس - الذي يوسوس في صدور الناس - من الجنة والناس - ) (1/278) ________________________________________ من شر الوسواس الخناس: جاءت الآية باستخدام (من شر الوسواس ) وليس (من الوسواس) كما في الاستعاذة من الشيطان : "فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم"، لأنه هنا لم يحدد الشيطان، بل قال : من الجنة والناس، فجعل الوسواس قسمين: من الجنة أو من الناس . قد يكون الوسواس من الجنة أو من الناس فالجنة فيهم صالحون وفيهم قاسطون " وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون" كما قال تعالى على لسان الجن في سورة الجن، لذا لا يصح الإستعاذة من الجنة عموما وكذلك الناس نحن نستعيذ من الظالمين والأشرار من الناس وليس من الناس كلهم جميعا ولذا جاءت الآية بتحديد الاستعاذة من الشر (من شر الوسواس الخناس) وأما الشيطان فشر كله لذلك جاءت الآية بالاستعاذة منها، أما البشر فلا، ورد في الأثر: (الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير ممن لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم) الوسواس: كلمة وسواس على صيغة فعلال وهي صيغة تفيد التكرار لأنه لا ينفك عن الوسوسة ويسمى في اللغة (تكرار المقطع لتكرار الحدث) وفيها تكرار المقطع (وس) كما في كلمة كبكب (تكرار كب) وحصحص (تكرار حص) للدلالة على تكرار الحدث. وصيغة فعلال تفيد المبالغة أيضا إذن كلمة وسواس تفيد المبالغة والتكرار. وقد جاء التعبير في الآية بكلمة الوسواس وليس الموسوس لأن الموسوس لا تفيد المبالغة، ولأنها تقال للشخص الذي تعتريه الوسوسة دون أن تفيد المبالغة. وجاءت الإستعاذة بـ(شر الوسواس) وليس شر الوسوسة فقط للدلالة على أن الإستعاذة إنما تكون من كل شرور الوسواس سواء كانت وسوسة أو لم تكن بداية بداية ناس: صفة من (الخنوس) وهو الاختفاء، وهي أيضا صيغة مبالغة، وتدل على أن الخنوس صار نوعا من حرفة يداوم عليها. عندما يكون للمرء عدو فإنه يحرص على أن يعرف مقدار عدائه ومدى قوته والأساليب التي تمكنه من التغلب عليه أو النجاة منه، وقد أخبرنا الله تعالى عن عدونا أن قصارى ما يستطيع الإنسان فعله هو أن نخنس وسوسته لأن الشيطان باق إلى يوم الدين ولا يمكننا قتله أو فعل أي شيء آخر به وإنما نستعيذ بالله فيخنس الشيطان أو أن نغفل وننسى فنقع في الوسوسة كما جاء في الحديث: الشيطان جاثم على قلب ابن آدم إن ذكر الله خنس، وإن نسي وسوس) الذي يوسوس في صدور الناس : ذكر في الآية مكان الوسوسة وهو الصدور ولم ترد القلوب لأن الصدور أوسع ، وهي كالمداخل للقلب،فمنها تدخل الواردات إلى القلب، والشيطان يملأ الصدر بالوسوسة ومنه تدخل إلى القلب دون أن تترك خلفها ممرا نظيفا يمكن أن تدخله نفحات الإيمان، بل يملأ الساحة بالوساوس قدر استطاعته مغلقا الطريق إلى القلب. (1/280) ________________________________________ من الجنة والناس : الوسواس قسمان فقد يكون من الجنة وقد يكون من الناس والناس هم المعتدى عليهم ولذا جاء الآية رب الناس ولم يقل رب الجنة والناس لأن الناس لما وقع عليهم الأذى استعاذوا أو أمروا أن يستعيذوا بربهم ليخلصهم من شر الوسواس والجنة هم الأصل في الوسوسة.وقدم الجنة على الناس لأنهم هم الأصل في الوسوسة، والناس تبع، وهم المعتدون على الناس، ووسوسة الإنسي قد تكون من وسوسة الجني. والجنة هم الأصل في الوسوسة، ولا تقع الوسوسة في صدورهم بل في صدور الإنس. وفي آية أخرى في القرآن الكريم وردت الآية بتقديم شياطين الإنس على الجن وذلك لأن السياق كان على كفرة الإنس الذين يشاركون الجن الوسوسة فلذا تقدم ذكرهم على الجن (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون) سورة الأنعام آية 112. الفهرس مقدمة .................................................. ......................................1 لمسات بيانية في سورة الفاتحة........................................... ....................... 5 لمسات بيانية في آية الكرسي .................................................. ...............23 لمسات بيانية في الإسراء والمعراج .................................................. ............28 بعض اللمسات البيانية في سورة الكهف .................................................. .....38 لمسات بيانية في سورتي النمل والقصص .................................................. .....45 لمسات بيانية في وصايا لقمان لابنه .................................................. ..........61 (1/281) ________________________________________ لمسات بيانية في سورة القمر .................................................. ................72 لمسات بيانية من سورتي الطور والقلم .................................................. .......75 لمسات بيانية من سورتي المعارج والقارعة .................................................. ....76 لمسات بيانية من سورة المنافقون .................................................. ............78 لمسات بيانية في سورة الإنسان .................................................. ..............88 لمسات بيانية في سورة الليل .................................................. ...............125 لمسات بيانية في سورة البلد .................................................. ...............141 لمسات بيانية في سورة الضحى .................................................. ............156 لمسات بيانية في سورة التين .................................................. ...............164 لمسات بيانية في سورة الكوثر .................................................. .............174 لمسات بيانية في سورة الناس .................................................. ..............184 (1/282) ________________________________________ أسرار البيان في التعبير القرآني للدكتور / فاضل صالح السامرائي أستاذ النحو في جامعة الشارقة أسرار البيان في التعبير القرآني(1) القرآن هو تعبير بياني مقصود أي أن كل كلمة وكل حرف فيه وضع وضعا مقصودا. الذكر والحذف: قال تعالى : (يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور (33) لقمان) وقال تعالى : (واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون (281) البقرة) الآيتين جملتان وصفيتان فلماذا الحذف (فيه) في إحداها والذكر في الأخرى؟ السبب أن التقدير حاصل (يجزي فيه) لكن لماذا الحذف؟ الحذف يفيد الإطلاق ولا يختص بذلك اليوم. فالجزاء ليس منحصرا في ذلك اليوم وإنما سيمتد أثره إلى ما بعد ذلك اليوم وكلما يذكر الجزاء يحذف (فيه) (لا تجزي) و(لا يجزي) أما في الآية الثانية فذكر (فيه) لأنه منحصر فقط في يوم الحساب وليس عموما. وكذلك في قوله تعالى (يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار) اليوم منحصر في يوم القيامة والحساب لذا ذكر (فيه). وحذف (فيه) عندما كان اليوم ليس محصورا بيوم معين. __________ (1) وهذه محاضرة ألقاها الدكتور فاضل السامرائي ضمن فعاليات جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم عام 2002م (1/283) ________________________________________ (قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين (85) يوسف) محذوف حرف النفي (لا) (تالله لا تفتأ). القاعدة : أنه إذا كان فعل مضارع مثبت لابد من حرف اللام فإن لم تذكر اللام فهو منفي مثال: والله أفعل (معناها لا أفعل) و والله لأفعل (معناها أثبت الفعل) فلماذا حذف إذن؟ هذا هو الموطن الوحيد في القرآن الذي حذف فيه حرف النفي جوابا للقسم. وقد جاء في القرآن قوله تعالى (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما (65) النساء) (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون (38) النحل). إنما آية سورة يوسف هي الوحيدة التي تفيد النفي ولم يذكر فيها حرف النفي لماذا؟ الذين أقسموا هم إخوة يوسف ومن المقرر في النحو أن الذكر يفيد التوكيد والحذف أقل توكيدا. فعلى ماذا أقسموا؟ أقسموا أن أباهم لا يزال يذكر يوسف حتى يهلك فهل هم متأكدون من ذلك؟ أي هل هم متأكدون أن أباهم سيفعل ذلك حتى يهلك وهل حصل ذلك؟ كلا لم يحصل. في حين في كل الأقسام الأخرى في القرآن الأمر فيها مؤكد. أما في هذه الآية لا يؤكد بالحذف لحرف النفي مع أنه أفاد النفي. فتأ: من معانيها في اللغة نسي وسكن وأطفأ النار يقال فتأت النار والإتيان بالفعل (فتأ) في هذه الآية وفي هذا الموطن جمع كل هذه المعاني. كيف؟ المفقود مع الأيام ينسى ويكف عن ذكره أو يسكن لوعة الفراق أو نار الفراق في فؤاد وفي نفس من فقد له عزيز. ولو اختار أي فعل من الأفعال الأخرى المرادفة لفعل فتأ لم تعطي كل هذه المعاني المختصة في فعل فتأ. (1/284) ________________________________________ قال تعالى في سورة آل عمران (إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين (140) وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين (141)) اللام في (ليعلم) هي لام التعليل ثم قال تعالى (يتخذ) عطف بدون لام ثم قال (ليمحص) عطف وذكر اللام ثم قال (يمحق) عطف بدون ذكر اللام ، لماذا ؟ قلنا أن الذكر للتوكيد وما حذف أقل توكيدا وإذا استعرضنا الأفعال في الآية فهل كلها بدرجة واحدة من التوكيد والحذف؟ (وليعلم) الله تعالى يريد ذلك من كل شخص علما يتحقق منه الجزاء لكل شخص. إذن هو أمر عام لجميع الذين آمنوا ومن غير الذين آمنوا فهو أمر ثابت مطلق لكل فرد من الأفراد. (يتخذ) لا يتخذ كل المؤمنين شهداء فهذا الفعل ليس بدرجة اتساع الفعل الأول وهو ليس متعقلا بكل فرد. (ليمحص) متعلق بكل فرد وهذا يتعلق به الجزاء. (يمحق) لم يمحق كل الكافرين محقا تاما فالكفر والإيمان موجودان. إذن عندما يذكر اللام على وجه العموم والمقصود يكون كل فرد من الأفراد والحذف عكس ذلك. قال تعالى (ولتبتغوا فضلا من ربكم) في الحالتين ذكر اللام لأن الأمرين مطلوبين حتما في هذه الحياة. قال تعالى في سورة النساء (بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما (138)) وقال تعالى في سورة البقرة (وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون (25)) (1/285) ________________________________________ ذكر الباء في الآية الأولى (بأن) وحذفها في الثانية (أن) مع أن التقدير هو (بأن) لماذا؟ لأن تبشير المنافقين آكد من تبشير المؤمنين ، ففي السورة الأولى أكد وفصل في عذاب المنافقين في عشرة آيات من قوله (ومن يكفر بالله وملائكته). أما في الآية الثانية فهي الآية الوحيدة التي ذكر فيها كلاما عن الجزاء وصفات المؤمنين في كل سورة البقرة. إذن (بأن) أكثر من (أن) فالباء الزائدة تناسب الزيادة في ذكر المنافقين وجزاؤهم. وقال تعالى في سورة الأحزاب (وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا (47)) لأنه تعالى فصل في السورة جزاء المؤمنين وصفاتهم. قال تعالى في سورة المؤمنون (وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون (18) فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون (19)) وقال في سورة الزخرف (وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون (72) لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون (73)) ذكر الواو في الأولى (ومنها) وحذف الواو في الثانية (منها) لماذا؟ في سورة المؤمنون السياق في الكلام عن الدنيا وأهل الدنيا وتعداد النعم قال (ومنها تأكلون) فالفاكهة في الدنيا ليست للأكل فقط فمنها ما هو للإدخار والبيع والمربيات والعصائر فكأنه تعالى يقصد بالآية : ومنها تدخرون، ومنها تعصرون ومنها تأكلون وهذا ما يسمى عطف على محذوف. أما في سورة الزخرف فالسياق في الكلام عن الجنة والفاكهة في الجنة كلها للأكل ولا يصنع منها أشياء أخرى. الحذف من الفعل: تتوفاهم – توفاهم، تنزل – تتنزل، تذكرون – تتذكرون، تبدل – تتبدل. الحذف من الفعل يدخل تحت ضابطين في القرآن كله: 1. يحذف من الفعل إما للدلالة على الإقتطاع من الفعل. (1/286) ________________________________________ 2. يحذف من الفعل في مقام الإيجاز ويذكر في مقام التفصيل. قال تعالى في سورة فصلت (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون (30)) وقال في سورة القدر (تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر (4)) استخدم نفس الفعل المضارع لكن حذفت التاء في الآية الثانية (تنزل) لماذا؟ الآية الأولى هي عند الموت تنزل الملائكة على الشخص المستقيم تبشره بمآله إلى الجنة ، أما الثانية فهي في ليلة القدر ، التنزل في الآية الأولى يحدث في كل لحظة لأنه في كل لحظة يموت مؤمن في هذه الأرض إذن الملائكة في مثل هذه الحالة تتنزل في كل لحظة وكل وقت أما في الآية الثانية فهي في ليلة واحدة في العام وهي ليلة القدر. لإذن التنزل الأول أكثر استمرارية من التنزل الثاني، ففي الحدث المستمر جاء الفعل كاملا غير مقتطع (تتنزل) أما في الثانية في الحدث المتقطع اقتطع الفعل (تنزل). (1/287) ________________________________________ مثال آخر في قوله تعالى في سورة النساء (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا (97)) وفي سورة النحل (الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون (28)). لنستعرض المتوفين في السياقين: في آية سورة النساء المتوفون هم جزء من المتوفين في آية سورة النحل ففي سورة النساء المتوفون هم المستضعفون من الذين ظلموا أنفسهم أما في سورة النحل فالمتوفون هم ظالمي أنفسهم كلهم على العموم. فأعطى تعالى القسم الأكبر الفعل الأطول وأعطى القسم الأقل الفعل الأقل. مثال آخر في سورة الأحزاب (لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك وكان الله على كل شيء رقيبا (52)) وقوله تعالى (وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا (2) النساء) في آية سورة الأحزاب هي مقصورة على الرسول - صلى الله عليه وسلم - والحكم مقصور عليه - صلى الله عليه وسلم -. أما الآية الثانية فهي آية عامة لكل المسلمين وهذا التبدل هو لعموم المسلمين وليس مقصورا على أحد معين وإنما هو مستمر إلى يوم القيامة. لذا أعطى الحدث الصغير الصيغة القصيرة (تبدل) وأعطى الحدث الممتد الصيغة الممتدة (تتبدلوا). (1/288) ________________________________________ مثال آخر: قال تعالى في سورة الشورى (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب (13)) وقال في سورة آل عمران (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون (103)) في الآية الأولى الوصية خالدة من زمن سيدنا نوح - عليه السلام - إلى خاتم الأنبياء - صلى الله عليه وسلم - فجاء الفعل (تتفرقوا) أما في الآية الثانية فهي خاصة بالمسلمين لذا جاء الفعل (تفرقوا). والأمة المحمدية هي جزء من الأمم المذكورة في الآية الأولى. وكذلك فالحدث ممتد في الأولى (تتفرقوا) والحدث محدد في الثانية (تفرقوا). فالأولى وصية خالدة على زمن الأزمان (ولا تتفرقوا فيه) لأن هذا هو المأتى الذي يدخل إليه أعداء الإسلام فيتفرقون به لذا جاءت الوصية خالدة مستمرة، وصى تعالى الأمم مرة ووصى الأمة الإسلامية مرتين. والآية الأولى أشد تحذيرا للأمة الإسلامية (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك). شرعه لنا في الوصية العامة لنوح وخص بالذي أوحينا إليك ثم خص الأمة الإسلامية في الآية الثانية.والحذف له سببان هنا الأول لأن الأمة المحمدية أصغر. ونهانا عن التفرق مهما كان قليلا وأراد ربنا تعالى أن نلتزم بهذا الأمر (لا تفرقوا) وقال (واعتصموا بحبل الله جميعا). أكد على الجمع الكامل (1/289) ________________________________________ وعلى سبيل العموم كأنه فرض عين على الجميع فلا يعفى أحد من المسؤولية أن لا نتفرق وأن نعتصم بحبل الله وذكرهم بنعم الله عليهم وتوعدهم على الإختلاف بالعذاب العظيم وأطلق العذاب ولم يحصره في الآخرة إنما قد يطالهم في الدنيا والآخرة. المصدر لا يعمل بعد وصفه (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه) ليست متعلقة بالعذاب العظيم. التفرق يكون عذابه عظيما في الدنيا والآخرة. وقوله تعالى (والذي أوحينا إليك) اختار الإسم الموصول (الذي) عندما ذكر شريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - ولم يقل (وما أوحينا إليك) لأن (الذي) أعرف وأخص من (ما) التي تشترك في المفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث. وقد بين تعالى شريعتنا وعرفناها فجاء بالأعرف (اسم الموصول الذي)، لا نعلم على وجه التفصيل ما وصى الله تعالى نوحا وعيسى وموسى وإبراهيم لذا اختار سبحانه (ما) اسم الموصول غير المعرف. مثال آخر: قال تعالى في سورة لقمان (ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد (12)) وقال في سورة إبراهيم (وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد (8)) في الآية الأولى أكدها بـ (إن) بقوله (فإن الله غني حميد) وغني نكرة وحميد نكرة. أما في الآية الثانية فأكد بـ (إن) واللام (فإنه لغني حميد). وفي سورة لقمان أيضا قال تعالى (لله ما في السماوات والأرض إن الله هو الغني الحميد (26)) باستخدام الضمير (هو) والتعريف (الغني الحميد) أما في سورة الحج (له ما في السماوات وما في الأرض وإن الله لهو الغني الحميد (64)) زاد تعالى اللام على الضمير المنفصل (لهو) لماذا؟ (1/290) ________________________________________ في الفرق بين آية لقمان الأولى وآية سورة إبراهيم نجد أن الثانية آكد من الأولى لأنه ذكر اللام. في آية سورة لقمان ذكر تعالى صنفين أي جعل الخلق على قسمين : من شكر ومن كفر، ومن كفر بعض من الناس. أما في آية سورة إبراهيم (وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد (8)) افترض كفر أهل الأرض جميعا لذا جاء قوله (فإن الله لغني حميد) أعم وأشمل. إن تكفروا تحتاج إلى الإستمرار وتحتاج إلى التوكيد فكان التوكيد أنسب من الآية الأولى. في سورة آل عمران (فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين (97)) باستخدام صيغة الماضي وفي آية سورة إبراهيم (وإن تكفروا) بصيغة المضارع. فعل الماضي بعد أداة الشرط مع المستقبل يفترض الحدث مرة واحدة أما فعل المضارع فيدل على تكرار الحدث. (1/291) ________________________________________ واستخدام صيغة الماضي والمضارع في القرآن كثير مثل قوله تعالى (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما (92) النساء) وقوله تعالى (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما (93) النساء) أي كلما سنحت له الفرصة قتل وهذا دليل التكرار لذا جاء الفعل بصيغة المضارع. وكذلك في قوله تعالى (ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه) صيغة المضارع لأن الشكر يكون في كل لحظة على كل نعم الله أما (ومن كفر) جاء بصيغة الماضي لأن الكفر يحصل مرة واحدة فقط. وقال تعالى (إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم (37) محمد) سؤال متكرر لأن سؤال الأموال متكرر فجاء الفعل بصيغة المضارع، وقال تعالى (قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا (76) الكهف) السؤال حصل مرة واحدة فجاء بصيغة الماضي. (1/292) ________________________________________ أسئلة: -فأكله الذئب: لماذا لم يقل أفترسه لأن هذا عادة الذئب الإفتراس ؛ والإفتراس يفترض أن يمزق ثيابه كلها وإخوة يوسف جاءوا على قميصه بدم كذب فدل ذلك على أن الذئب لم يفترسه لذا جاء فعل (فأكله). -قال تعالى: (بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما (138) النساء) المعروف أن التبشير بالشيء الحسن أما هنا فجاء التبشير من باب السخرية والتهكم منهم. كما في قوله تعالى أيضا (ذق أنك أنت العزيز الكريم) العزيز الكريم من باب التهكم والسخرية. -لماذا نصب (دينا) في قوله تعالى (قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (161) الأنعام)؟ النصب يدخل في باب التخصيص بالمدح. -قال تعالى (الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون (2) الرعد) على ماذا يعود الضمير في ترونها؟ قسم يقول إنها عمد غير مرئية بمعنى (بغير عمد مرئية) وقسم قال (بغير عمد ثم استأنف ترونها بمعنى ترونها مرفوعة بغير عمد. هناك تعبيرات قطعية وتعبيرات ظنية وهذه الآية تحتمل المعنيين. -ما الفرق بين " استطاعوا " و " اسطاعوا " في سورة الكهف ( فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا (97))؟ هذه من الحذف للتقليل من الفعل كما ذكرنا سابقا. استطاعوا تحتاج إلى جهد لنقب السد أما اسطاعوا فهي للصعود على ظهره وبالتأكيد أن إحداث نقب في السد المصنوع من الحديد والنحاس أشد من الصعود على ظهره ويستغرق وقتا أطول فحذف من الفعل الذي مدته أقل وذكر في الحدث الممتد. (1/293) ________________________________________ -ما دلالة التذكير والتأنيث في قوله تعالى (وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين (30) يوسف)؟ بحسب القاعدة النحوية المعروفة أنه جائز باعتبار أن جمع التكسير يجوز تذكيره وتأنيثه. يؤنث الفعل عندما يكون الفاعل أكثر وإذا كان أقل يذكر الفعل. ونسوة هن حاشية امرأة العزيز. كما جاء في قوله أيضا (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم (14) الحجرات) استخدم الفعل قالت مؤنثا لأن الأعراب كثر. وكذلك في قوله تعالى (الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين (183) آل عمران) هؤلاء مجموعة من الرسل أما في قوله تعالى (هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (53) الأعراف) المذكورون هم جميع الرسل وهم أكثر من الأولى لذا جاء الفعل مؤنثا. (1/294) ________________________________________ -لماذا التحول في الخطاب من المفرد إلى الجمع في قوله تعالى (الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى (53) طه) ؟ هذا يسمى التفاف ويستعمل لتطرية نشاط السامع وقد ورد في القرآن كثيرا. يلتفت من الغائب إلى الحاضر ومن الجمع إلى الإفراد ومن الغائب إلى المتكلم. ما معنى جيوبهن؟ الجيب هو فتحة الصدر. (1/295) ________________________________________ تذكير الفعل أو تأنيثه مع الفاعل المؤنث قال تعالى (ولا تكونوا كالذين جاءهم البينات) وقال تعالى (وما كان صلاتهم عند البيت) وقال تعالى (قد كان لكم فيهم أسوة حسنة) هناك خط بلاغي في القرآن الكريم حول هذا الموضوع وقد أثير في عديد من الأسئلة خلال الحلقات ونذكر منها ما جاء في تذكير وتأنيث الفعل مع كلمة الضلالة والعاقبة وكذلك مع كلمة الملائكة وكذلك مع كلمة البينات. وقلنا باختصار أنه: * تذكير الفاعل المؤنث له أكثر من سبب وأكثر من خط في القرآن الكريم. فإذا قصدنا باللفظ المؤنث معنى المذكر جاز تذكيره وهو ما يعرف بالحمل على المعنى. وقد جاء في قوله تعالى عن الضلالة (فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون (30) الأعراف) وقوله تعالى (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين (36) النحل). ونرى أنه في كل مرة يذكر فيها الضلالة بالتذكير تكون الضلالة بمعنى العذاب لأن الكلام في الآخرة (كما بدأكم تعودون (29) الأعراف) وليس في الآخرة ضلالة بمعناها لأن الأمور كلها تنكشف في الآخرة. وعندما تكون الضلالة بالتأنيث يكون الكلام في الدنيا فلما كانت الضلالة بمعناها هي يؤنث الفعل. (1/296) ________________________________________ * وكذلك بالنسبة لكلمة العاقبة أيضا تأتي بالتذكير مرة وبالتأنيث مرة ، وعندما تأتي بالتذكير تكون بمعنى العذاب وقد وردت في القرآن الكريم 12 مرة بمعنى العذاب أي بالتذكير والأمثلة في القرآن كثيرة منها قوله تعالى في سورة الأنعام (قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين {11}) وسورة يونس (فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين {73}) و(وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين (84) الأعراف) و(فانظر كيف كان عاقبة المنذرين (73) الصافات) المقصود بالعاقبة هنا محل العذاب فجاء الفعل مذكرا. وعندما تأتي بالتأنيث لا تكون إلا بمعنى الجنة كما في قوله تعالى (وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون (37) القصص) وقوله تعالى في سورة الأنعام (قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون {135}). (1/297) ________________________________________ * تذكير كلمة شفاعة مرة وتأنيثها مرة أخرى في سورة البقرة: قال تعالى في سورة البقرة (واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون {48} ) وقال في نفس السورة (واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون {123}).جاءت الآية الأولى بتذكير فعل (يقبل) مع الشفاعة بينما جاء الفعل (تنفعها) مؤنثا مع كلمة الشفاعة نفسها. الحقيقة أن الفعل (يقبل) لم يذكر مع الشفاعة إلا في الآية 123 من سورة البقرة وهنا المقصود أنها جاءت لمن سيشفع بمعنى أنه لن يقبل ممن سيشفع أو من ذي الشفاعة. أما في الآية الثانية فالمقصود الشفاعة نفسها لن تنفع وليس الكلام عن الشفيع. وقد وردت كلمة الشفاعة مع الفعل المؤنث في القرآن الكريم في آيات أخرى منها في سورة يس (أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون {23}) وسورة النجم (وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى {26}). * وكذلك كلمة (البينات) فإذا كانت بمعنى العلامات الدالة على المعجزات أنث الفعل وإذا كانت بمعنى الأمر والنهي وحد الله والدين ذكر الفعل هناك حكم نحوي مفاده أنه يجوز أن يأتي الفعل مذكرا والفاعل مؤنثا. وكلمة (البينات) ليست مؤنث حقيقي لذا يجوز تذكيرها وتأنيثها. والسؤال ليس عن جواز تذكير وتأنيث (البينات) لأن هذا جائز كما قلنا لكن السؤال لماذا؟ لماذا جاء بالاستعمال فعل المذكر (جاءهم البينات) مع العلم أنه استعملت في غير مكان بالمؤنث (جاءتهم البينات)؟ (1/298) ________________________________________ جاءتهم البينات بالتأنيث: يؤنث الفعل مع (البينات) إذا كانت الآيات تدل على النبوءات فأينما وقعت بهذا المعنى يأتي الفعل مؤنثا كما في قوله تعالى في سورة البقرة (فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم {209}) والآية (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم {213}) و (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد {253})، وقوله في سورة النساء (يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطانا مبينا {153}). (1/299) ________________________________________ * أما "جاءهم البينات" بالتذكير: فالبينات هنا تأتي بمعنى الأمر والنهي وحيثما وردت كلمة البينات بهذا المعنى من الأمر والنهي يذكر الفعل كما في قوله تعالى في سورة آل عمران (كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين {86}) و (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم {105}) وفي سورة غافر (قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما جاءني البينات من ربي وأمرت أن أسلم لرب العالمين {66}). * . وقد يكون التأنيث للكثرة والتذكير للقلة كما في قوله تعالى (قالت الأعراب آمنا) وقوله تعالى (وقال نسوة في المدينة). ونقول أن هذا الأمر جائز من حيث الجواز اللغوي وليس في هذا شيء لكن السؤال يبقى لماذا اختار تعالى التذكير في موضع والتأنيث في موضع آخر؟ ونأخذ قوله تعالى (جاءكم رسول) بتذكير فعل جاءكم، وقوله تعالى (جاءت رسل ربنا) بتأنيث فعل جاءت. ونلاحظ أنه في الآية الأولى كان الكلام عن جميع الرسل في جميع الأمم من آدم إلى أن تقوم الساعة وهذا يدل على الكثرة فجاء بالفعل مؤنثا للدلالة على الكثرة. أما في الآية الثانية فالخطاب لبني إسرائيل ولزمرة منهم وفي حالة معينة أيضا وهذا يدل على القلة فجاء بالفعل مذكرا. (1/300) ________________________________________ * مثال آخر قوله تعالى (وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (35) الأنفال) والمكاء والتصدية : هما التصفيق والصفير وكلاهما مذكر وجاء الفعل مع كلمة (الصلاة) مذكرا لأن المراد بالصلاة هنا التصفيق والصفير وكلاهما مذكر. والصلاة عندهم كانت تفيد الطواف والطواف مذكر أيضا (صلاتهم كانوا يطوفون وحول الكعبة ويصفقون ويصفرون). إذن الطواف والتصفيق والصفير كلها مذكر فجاء الفعل مع كلمة الصلاة المقصود بمعناها المذكر جاء مذكرا. (1/301) ________________________________________ * قال تعالى (يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا (30) ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين وأعتدنا لها رزقا كريما (31) الأحزاب) هذه الآية ليست من باب التذكير والتأنيث أصلا وتذكير الفعل والفاعل وإنما هي من باب استعمال (من). والسؤال هو لماذا استعمل (من) في الآية؟ من أصلا في اللغة تستعمل للمذكر والمؤنث والمفرد والمثنى والجمع وطبيعة الأكثر في كلام العرب والقرآن أنه حتى لو كان الخطاب للإناث أو الجمع يأتي أول مرة بـ (من) بصيغة المفرد المذكر ثم يعقبه ما يوضح المعنى. ومهما كانت حالة من سواء أكانت إسما موصولا أو نكرة تامة بمعنى شخص أو ذات أو كانت اسم شرط، يؤتى بها بصيغة المفرد المذكر أول مرة ثم يعاد عليها بمعناها في المرة الثانية كقوله تعالى (ومن الناس من يقول آمنا بالله واليوم الآخر وما هم بمؤمنين) وهذا هو خط القرآن وهو الأكثر في كلام العرب وهذا هو الأصل. وكقوله تعالى (ومنهم من يقول ائذن لي ).والآية موضع السؤال (من يأت منكن) تدخل في هذه القاعدة جاء بـ (من) بما يدل على الإفراد والتذكير ثم جاء فيما بعد بما يدل على المعنى. وإذا خرج عن هذا الأمر كما في قوله تعالى (ومنهم من ينظر إليك ومنهم من يستمعون إليك) جاء في الأولى بالإفراد والثانية جمع لماذا؟ نسأل أيهما أكثر الذين ينظرون إلى الشخص أم الذين يستمعون إليه؟ الجواب الذين يستمعون ولهذا عبر عنهم بالجمع لأنهم أكثر. ولهذا عندما يخالف القاعدة فإنه يخالف بما يقتضيه السياق والمعنى. (1/302) ________________________________________ * مثال آخر قوله تعالى (قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار (13) آل عمران) وفي آية أخرى (وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين (4) الأنعام) وقوله تعالى (وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون (124) الأنعام) نقول أنه من حيث الحكم النحوي يجوز تذكير وتأنيث الفعل لكن يبقى السر البياني لهذا التذكير والتأنيث. ونقول أنه عندما تكون كلمة (آية) بمعنى الدليل والبرهان تكون بمعنى مذكر فيأتي الفعل بالتذكير وإذا كانت كلمة الآية بمعنى الآية القرآنية أنث الفعل (وإذا جاءتهم آية). (1/303) ________________________________________ * مثال آخر قوله تعالى في سورة الممتحنة (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير (4)) وفي نفس السورة (لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد (6)) وفي سورة الأحزاب (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا (21)) ونقول أنه من الناحية النحوية إذا كثرت الفواصل فالتذكير أفضل. في الآية الأولى الفاصل بين الفعل وكلمة أسوة (لكم ) أما في الآية الثانية فالفاصل (لكم فيهم) وفي الثالثة (لكم في رسول الله) فعندما تكون الفاصلة أكثر يقتضي التذكير.وهناك أمر آخر وهو أن التذكير في العبادات أفضل وأهم من التأنيث كما جاء في مريم (وكانت من القانتين) لأن الذين كملوا في التذكير أكثر. وكذلك عندما يتحدث عن عبادة الملائكة يذكر. أي العبادات أكثر في هذه الآيات؟ في الأولى الأسوة كانت في القول في أمر واحد إلا (إلا قول إبراهيم) جادله قومه والإستثناء هو قول إبراهيم، أما في الثانية (فيكم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر) هذه عامة وهي أهم ولذلك أكدها باللام (لقد كان لكم) وجاء بأمرين بتذكير العبادة كما جاء باللام في جواب القسم المقدر وكذلك في آية سورة الأحزاب الآية عامة ولم (1/304) ________________________________________ يخصص بشيء ولهذا ذكر وخصص باللام الواقعة في جواب القسم، أما في الأولى فجاء بـ (قد) وأنث الفعل. فعندما اتسعت العبادة وصارت أعم وأوسع من الأولى ذكر وجاء باللام وهذا هو الأمر البياني بالإضافة إلى الأمر النحوي الذي تحدثنا عنه. * التذكير مرة والتأنيث مرة مع الملائكة في القرآن الكريم : قال تعالى في سورة ص (فسجد الملائكة كلهم أجمعون {73}) وجاءت الملائكة هنا بالتذكير، وفي سورة آل عمران (فنادته الملآئكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين {39}) جاءت الملائكة بالتأنيث. الحكم النحوي: يمكن أن يؤنث الفعل أو يذكر إذا كان الجمع جمع تكسير كما في قوله تعالى (قالت الأعراب آمنا) و(قالت نسوة في المدينة) فيجوز التذكير والتأنيث من حيث الحكم النحوي. اللمسة البيانية: أما لماذا اختار الله تعالى التأنيث في موطن والتذكير في موطن آخر فهو لأن في الآيات خطوط تعبيرية هي التي تحدد تأنيث وتذكير الفعل مع الملائكة. وهذه الخطوط هي: * في القرآن الكريم كله كل فعل أمر يصدر إلى الملائكة يكون بالتذكير (اسجدوا، أنبئوني، فقعوا له ساجدين) * كل فعل يقع بعد ذكر الملائكة يأتي بالتذكير أيضا كما في قوله تعالى (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب) و(الملائكة يشهدون) (الملائكة يسبحون بحمد ربهم) * كل وصف إسمي للملائكة يأتي بالتذكير (الملائكة المقربون) (الملائكة باسطوا أيديهم) (مسومين، مردفين، منزلين) * كل فعل عبادة يأتي بالتذكير (فسجد الملائكة كلهم أجمعين) (لا يعصون الله ما أمرهم) لأن المذكر في العبادة أكمل من عبادة الأنثى ولذلك جاء الرسل كلهم رجالا. (1/305) ________________________________________ * كل أمر فيه شدة وقوة حتى لو كان عذابين أحدهما أشد من الآخر فالأشد يأتي بالتذكير (ولو ترى إذا يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق) (يتوفى) جاءت بالتذكير لأن العذاب أشد (وذوقوا عذاب الحريق) أما في قوله تعالى (فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم) (تتوفاهم) جاءت بالتأنيث لأن العذاب أخف من الآية السابقة. وكذلك في قوله تعالى (ونزل الملائكة تنزيلا) بالتذكير وقوله تعالى (تتنزل عليهم الملائكة) بالتأنيث وقوله (تنزل الملائكة والروح فيها من كل أمر) بالتأنيث. * لم تأت بشرى بصيغة التذكير أبدا في القرآن الكريم فكل بشارة في القرآن الكريم تأتي بصيغة التأنيث كما في قوله تعالى (فنادته الملائكة) و(قالت الملائكة) * قال تعالى (إذا جاءكم المؤمنات) هذه تندرج أيضا في سياق الكثرة والقلة وفي سياق زيادة الفواصل أيضا. (1/306) ________________________________________ التقديم والتأخير في القرآن الكريم المفهوم الفعلي من حيث الدلالة اللغوية للتقديم والتأخير أنه إذا بدأنا بكلمة سابقة على غيرها فقد قدمناها في الكلام. والتقديم نوعان أو ثلاثة: تقديم اللفظ على عامله نحو قوله تعالى (إياك نعبد وإياك نستعين) وقوله تعالى (وربك فكبر) وقولنا : زيدا أكل أو زيدا أكرمت.و بمحمد اقتديت. تقديم الألفاظ بعضها على بعض في غير العامل وذلك نحو قوله تعالى (وما أهل به لغير الله) البقرة وقوله (وما أهل لغير الله به) المائدة أولا: تقديم اللفظ على عامله: ومن هذا الباب تقديم المفعول به على فعله وتقديم الحال على فعله وتقديم الظرف والجار والمجرور على فعلهما وتقديم الخبر على المبتدأ ونحو ذلك. وهذا التقديم في الغالب يفيد الإختصاص فقولك (أنجدت خالدا) يفيد أنك أنجدت خالدا ولا يفيد أنك خصصت خالدا بالنجاة بل يجوز أنك أنجدت غيره أو لم تنجد أحدا معه. فإذا قلت: خالدا أنجدت أفاد ذلك أنك خصصت خالدا بالنجدة وأنك لم تنجد أحدا آخر. ومثل هذا التقديم في القرآن كثير: فمن ذلك قوله تعالى (إياك نعبد وإياك نستعين) في سورة الفاتحة، فقد قدم المفعول به " إياك " على فعل العبادة وعلى فعل الإستعانة دون فعل الهداية قلم يقل إيانا اهد كما قال في الأوليين ، وسبب ذلك أن العبادة والإستعانة مختصتان بالله تعالى فلا يعبد أحد غيره ولا يستعان به. وهذا نظير قوله تعالى (بل الله فاعبد وكن من الشاكرين (66) الزمر ) وقوله (واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون (172) البقرة) فقدم المفعول به على فعل العبادة في الموضعين وذلك لأن العبادة مختصة بالله تعالى. ** ومثل التقديم على فعل الإستعانة قوله تعالى (وعلى الله فليتوكل المتوكلون (12) ابراهيم) وقوله ( على الله توكلنا ربنا ، الأعراف) وقوله (عليه توكلت وإليه أنيب (88) هود) فقدم الجار والمجرور للدلالة على الإختصاص وذلك لأن التوكل لا يكون إلا على الله وحده والإنابة ليست إلا إليه وحده. ولم يقدم مفعول الهداية على فعله قلم يقل : إيانا اهد كما قال (إياك نعبد) وذلك لأن طلب الهداية لا يصح فيه الإختصاص إذ لا يصح أن تقول اللهم اهدني وحدي ولا تهد أحدا غيري أو خصني بالهداية من دون الناس وهو كما تقول اللهم ارزقني واشفني وعافني. فأنت تسأل لنفسك ذلك ولم تسأله أن يخصك وحدك بالرزق والشفاء والعافية فلا يرزق أحدا غيرك ولا يشفيه ولا يعافيه. (1/307) ________________________________________ ** ومن هذا النوع من التقديم قوله تعالى (قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا فستعلمون من هو في ضلال مبين (29) الملك) فقدم الفعل آمنا على الجار والمجرور (به) وأخر توكلنا عن الجار والمجرور (عليه) وذلك لأن الإيمان لما لم يكن منحصرا في الإيمان بالله بل لا بد معه من رسله وملائكته وكتبه واليوم الأخر وغيره مما يتوقف صحة الإيمان عليه، بخلاف التوكل فإنه لا يجوز إلا على الله وحده لتفرده بالقدرة والعلم القديمين الباقيين قدم الجار والمجرور فيه ليؤذن باختصاص التوكل من العبد على الله دون غيره لأن غيره لا يملك ضرا ولا نفعا فيتوكل عليه. ** ومن ذلك أيضا قوله تعالى (ألا إلى الله تصير الأمور (53) الشورى) لأن المعنى هو أن الله مختص بصيرورة الأمور إليه دون غيره. ونحو قوله تعالى (إن إلينا إيابهم (25) ثم إن علينا حسابهم (26) الغاشية) . فإن الإياب لا يكون إلا إلى الله وهو نظير قوله تعالى (إليه أدعو وإليه مآب (36) الرعد) وقوله (ولكن كذب وتولى (32) القيامة) فالمساق إلى الله وحده لا إلى ذات أخرى وهذا ليس من التقديم من أجل مراعاة المشاكلة لرؤوس الآي كما ذهب بعضهم بل هو لقصد الإختصاص نظير قوله تعالى (إليه مرجعكم جميعا (4) يونس) وقوله (وإليه يرجع الأمر كله (123) هود) وقوله (وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون (93) الأنبياء) وغير ذلك من الآيات. ** ومن هذا الباب قوله تعالى (إليه يرد علم الساعة (47) فصلت) فعلم الساعة مختص بالله وحده لا يعلمه أحد غيره ونحوه قوله تعالى (إن الله عنده علم الساعة (34) لقمان) فقدم الظرف الذي هو الخبر على المبتدأ وهو نظير الآية السابقة. (1/308) ________________________________________ ** ونحو قوله (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو (59) الأنعام) فقدم الظرف الذي هو الخبر على المبتدأ (مفاتح الغيب) وذلك لاختصاصه سبحانه بعلم الغيب ألا ترى كيف أكد ذلك الإختصاص بأسلوب آخر هو أسلوب القصر فقال: لا يعلمها إلا هو؟ وقد يكون التقديم من هذا النوع لغرض آخر كالمدح والثناء والتعظيم والتحقير وغير ذلك من الأغراض، إلا أن الأكثر فيه أنه يفيد الإختصاص. ومن التقديم الذي لا يفيد الإختصاص قوله تعالى: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل (84) الأنعام) فهذا ليس من باب التخصيص إذ ليس معناه أننا ما هدينا إلا نوحا وإنما هو من باب المدح والثناء. ونحو قوله (فأما اليتيم فلا تقهر (9) وأما السائل فلا تنهر (10) الضحى) إذ ليس المقصود به جواز قهر غير اليتيم ونهر غير السائل وإنما هو من باب التوجيه فإن اليتيم ضعيف وكذلك السائل وهما مظنة القهر فقدمهما للاهتمام بشأنهما والتوجيه إلى عدم استضعافهما. ثانيا: تقديم اللفظ وتأخيره على غير العامل: إن تقديم الألفاظ بعضها على بعض له أسباب عديدة يقتضيها المقام وسياق القول، يجمعها قولهم: إن التقديم إنما يكون للعناية والإهتمام. فما كانت به عنايتك أكبر قدمته في الكلام. والعناية باللفظة لا تكون من حيث أنها لفظة معينة بل قد تكون العناية بحسب مقتضى الحال. ولذا كان عليك أن تقدم كلمة في موضع ثم تؤخرها في موضع آخر لأن مراعاة مقتضى الحال تقتضي ذاك. والقرآن أعلى مثل في ذلك فإنا نراه يقدم لفظة مرة ويؤخرها مرة أخرى على حسب المقام. فنراه مثلا يقدم السماء على الأرض ومرة يقدم الأرض على السماء ومرة يقدم الإنس على الجن ومرة يقدم الجن على الإنس ومرة يقدم الضر على النفع ومرة يقدم النفع على الضر كل ذلك بحسب ما يقتضيه القول وسياق التعبير. (1/309) ________________________________________ فإذا أردت أن تبين أسباب هذا التقديم أو ذاك فإنه لا يصح الإكتفاء بالقول إنه قدم هذه الكلم للعناية بها والإهتمام دون تبيين مواطن هذه العناية وسبب هذا التقديم. فإذا قيل لك مثلا: لماذا قدم السماء على الأرض هنا؟ قلت لأن الإهتمام بالسماء أكبر ثم إذا قيل لك ولماذا قدم الأرض على السماء في هذه الآية قلت لأن الإهتمام بالأرض هنا أكبر، فإذا قيل ولماذا كان الإهتمام بالسماء هناك أكبر وكان الإهتمام بالأرض هنا أكبر؟ وجب عليك أن تبين سبب ذلك وبيان الإختلاف بين الموطنين بحيث تبين أنه لا يصح أو لا يحسن تقديم الأرض على السماء فيما قدمت فيه السماء أو تقديم السماء على الأرض فيما قدمت فيه الأرض بيانا شافيا. وكذلك بقية المواطن الأخرى. أما أن تكتفي بعبارة أن هذه اللفظة قدمت للعناية والإهتمام بها فهذا وجه من وجوه الإبهام. والإكتفاء بها يضيع معرفة التمايز بين الأساليب فلا تعرف الأسلوب العالي الرفيع من الأسلوب المهلهل السخيف إذ كل واحد يقول لك: إن عنايتي بهذه اللفظة هنا أكبر دون البصر بما يستحقه المقام وما يقتضيه السياق. إن فن التقديم والتأخير فن رفيع يعرفه أهل البصر بالتعبير والذين أوتوا حظا من معرفة مواقع الكلم وليس ادعاء يدعى أو كلمة تقال. وقد بلغ القرآن الكريم في هذا الفن كما في غيره الذروة في وضع الكلمات الوضع الذي تستحقه في التعبير بحيث تستقر في مكانها المناسب. ولم يكتف القرآن الكريم الذي وضع اللفظة بمراعاة السياق الذي وردت فيه بل راعى جميع المواضع التي وردت فيها اللفظة ونظر إليها نظرة واحدة شاملة في القرآن الكريم كله. فنرى التعبير متسقا متناسقا مع غيره من التعبيرات كأنه لوحة فنية واحدة مكتملة متكاملة. (1/310) ________________________________________ إن القرآن الكريم دقيق في وضع الألفاظ ورصفها بجنب بعض دقة عجيبة فقد تكون له خطوط عامة في التقديم والتأخير وقد تكون هناك مواطن تقتضي تقديم هذه اللفظة أو تلك و كذلك مرتعا فيه سياق الكلام والإتساق العام في التعبير على أكمل وجه وأبهى صورة. وسنوضح هذا القول المجمل ببيان شاف. إن القرآن كما ذكرت يقدم الألفاظ ويؤخرها حسبما يقتضيه المقام فقد يكون سياق الكلام مثلا متدرجا حسب القدم والأولية في الوجود، فيرتب الكلمات على هذا الأساس فيبدأ بالأقدم ثم الذي يليه وهكذا وذلك نحو قوله تعالى (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (56) الذاريات) فخلق الجن قبل خلق الإنس بدليل قوله تعالى (والجان خلقناه من قبل من نار السموم (27) الحجر) فذكر الجن أولا ثم ذكر الإنس بعدهم. ** ونحو قوله تعالى (لا تأخذه سنة ولا نوم (255) البقرة) لأن السنة وهي النعاس تسبق النوم فبدأ بالسنة ثم النوم. ** ومن ذلك تقديم عاد على ثمود قال تعالى (وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم (38) العنكبوت) فإن عادا أسبق من ثمود. ** وجعلوا من ذلك تقديم الليل على النهار والظلمات على النور قال تعالى (وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون (33) الأنبياء) فقدم الليل لأنه أسبق من النهار وذلك لأنه قبل خلق الأجرام كانت الظلمة وقدم الشمس على القمر لأنها قبله في الوجود. وقال (يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار (44) النور) إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة. ومثل تقديم الليل على النهار تقديم الظلمات على النور كما ذكرت. قال تعالى (وجعل الظلمات والنور (1) الأنعام) وذلك لأن الظلمة قبل النور لما مر في الليل. (1/311) ________________________________________ قالوا: ومن ذلك تقديم العزيز على الحكيم حيث ورد في القرآن الكريم (وهو العزيز الحكيم (1) الحشر) قالوا لأنه عز فحكم. ** ومنه تقديم القوة على العزة لأنه قوي فعز أي غلب بالقوة فالقوة أول قال تعالى (إن الله لقوي عزيز (40) و (70) الحج) وقال (وكان الله قويا عزيزا (25) الأحزاب). ** وقد يكون التقديم بحسب الفضل والشرف منه تقديم الله سبحانه في الذكر كقوله تعالى (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا (69) النساء). فقدم الله على الرسول ثم قدم السعداء من الخلق بحسب تفاضلهم فبدأ بالأفضلين وهم النبيون ثم ذكر من يعدهم بحسب تفاضلهم. كما تدرج من الفئة القليلة إلى الكثرة فبدأ بالنبيين وهو أقل الخلق ثم الصديقين وهم أكثر ثم الشهداء ثم الصالحين فكل صنف أكثر من الذي قبله فهو تدرج من القلة إلى الكثرة ومن الأفضل إلى الفاضل ولا شك أن أفضل الخلق هم أقل الخلق إذ كلما ترقى الناس في الفضل قل صنفهم. ** ومن ذلك قوله تعالى (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا (7) الأحزاب) فبدأ بالرسول لأنه أفضلهم. (1/312) ________________________________________ ** وجعلوا من ذلك تقديم السمع على البصر قال تعالى (وهو السميع البصير (11) الشورى* و (إن الله هو السميع البصير (20) غافر) وقال (إنه هو السميع البصير (1) و (هو السميع البصير (56) غافر) الإسراء) وقال تعالى (إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا (2) الإنسان) فقدم السمع على البصر. وقال (والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا (73) الفرقان) فقدم الصم وهم فاقدو السمع على العميان وهم فاقدو البصر. قالوا لأن السمع أفضل. قاولا والدليل على ذلك أن الله تعالى لم يبعث نيا أصم ولكن قد يكون النبي أعمى كيعقوب - عليه السلام - فإنه عمي لفقد ولده. والظاهر أن السمع بالنسبة إلى تلقي الرسالة أفضل من البصر ففاقد البصر يستطيع أن يفهم ويعي مقاصد الرسالة فإن مهمة الرسل التبليغ عن الله. والأعمى يمكن تبليغه بها وتيسير استيعابه لها كالبصير غير أن فاقد السمع لا يمكن تبليغه بسهولة فالأصم أنأى عن الفهم من الأعمى ولذا كان العميان علماء كبار بخلاف الصم. فلكون متعلق ذلك التبليغ كان تقديم السمع أولى. ويمكن أن يكون تقديم السمع على البصر لسبب آخر عدا الأفضلية وهو أن مدى السمع أقل من مدى الرؤية فقدم ذا المدى الأقل متدرجا من القصر إلى الطول في المدى ولذا حين قال موسى في فرعون (قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى (45) طه) قال الله تعالى (قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى (46) طه) فقدم السمع لأنه يوحي بالقرب إذ الذي يسمعك يكون في العادة قريبا منك بخلاف الذي يراك فإنه قد يكون بعيدا وإن كان الله لا يند عن سمعه شيء. (1/313) ________________________________________ وقد يكون التقديم بحسب الرتبة وذلك كقوله تعالى (فلا تطع المكذبين (8) ودوا لو تدهن فيدهنون (9) ولا تطع كل حلاف مهين (10) هماز مشاء بنميم (11) مناع للخير معتد أثيم (12) القلم) فإن الهماز هو العياب وذلك لا يفتقر إلى مشي بخلاف النميمة فإنها نقل للحديث من مكان إلى مكان عن شخص إلى شخص. فبدأ بالهماز وهو الذي يعيب الناس وهذا لا يفتقر إلى مشي ولا حركة، ثم انتقل إلى مرتبة أبعد في الإيذاء وهو المشي بالنميمة ثم انتقل إلى مرتبة أبعد في الإيذاء وهو أنه يمنع الخير عن الآخرين. وهذه مرتبة بعد في الإيذاء مما تقدمها. ثم انتقل إلى مرتبة أخرى أبعد مما قبلها وهو الإعتداء فإن منع الخير قد لا يصحبه اعتداء أما العدوان فهو مرتبة أشد في الإيذاء. ثم ختمها بقوله أثيم وهو وصف جامع لأنواع الشرور فهي مرتبة أخرى أشد إيذاء. جاء في بدائع الفوائد : وأما تقدم هماز على مشاء بنميم فالرتبة لأن المشي مرتب على القعود في المكان. والهماز هو العياب وذلك لا يفتقر إلى حركة وانتقال من موضعه بخلاف النميم. وأما تقدم (مناع للخير) على (معتد) فبالرتبة أيضا لأن المناع يمنع من نفسه والمعتدي يعتدي على غيره ونفسه قبل غيره. ** وجعلوا من تقدم السمع على العلم حيث وقع في القرآن الكريم كقوله تعالى (وهو السميع العليم (137) البقرة) وقوله (إنه هو السميع العليم (61) الأنفال) وذلك أنه خبر يتضمن التخويف والتهديد. فبدأ بالسمع لتعلقه كالأصوات وهمس الحركات فإن من سمع حسك وخفي صوتك أقرب إليك في العادة ممن يقال لك: إنه يعلم وإن كان علمه تعالى متعلقا بما ظهر وبطن وواقعا على ما قرب وشطن. ولكن ذكر السميع أوقع في باب التخويف من ذكر العليم فهو أولى بالتقديم. ويمكن أن يقال: إن السمع من وسائل العلم فهو يسبقه. (1/314) ________________________________________ ** وجعلوا منه أيضا تقديم المغفرة على الرحمة نحو قوله (إن الله غفور رحيم (173) البقرة) في آيات كثيرة وقوله (وكان الله غفورا رحيما (100) النساء) قالوا: وسبب تقديم الغفور على الرحيم أن المغفرة سلامة والرحمة غنيمة والسلامة مطلوبة قبل الغنيمة وإنما تأخرت في سورة سبأ في قوله (يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور (2) ) فالرحمة شملتهم جميعا والمغفرة تخص بعضا ، والعموم قبل الخصوص بالرتبة. ولإيضاح ذلك أن جميع الخلائق من الإنس والجن والحيوان وغيرهم محتاجون إلى رحمته فهي برحمته تحيا وتعيش وبرحمته تتراحم وأما المغفرة فتخص المكلفين فالرحمة أعم. ** ومن التقديم بالرتبة أيضا قوله تعالى في من يكنز الذهب والفضة (يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون (35) التوبة) فبدأ بالجباه ثم الجنوب ثم الظهور قيل: لأنهم كانوا إذا أبصروا الفقير عبسوا وإذا ضمهم وإياه مجلس ازوروا عنه وتولوا بأركانهم وولوه ظهورهم فتدرج حسب الرتبة. (1/315) ________________________________________ وقد يكون التقديم بحسب الكثرة والقلة فقد يرتب المذكورات متدرجا من القلة إلى الكثرة حسبما يقتضيه المقام وذلك نحو قوله (أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود (125) البقرة) فكل طائفة هي أقل من التي بعدها فتدرج من القلة إلى الكثرة. فالطائفون أقل من العاكفين لأن الطواف لا يكون إلا حول الكعبة. والعكوف يكون في المساجد عموما والعاكفون أقل من الراكعين لأن الركوع أي الصلاة تكون في كل أرض طاهرة أما العكوف فلا يكون إلا في المساجد . والراكعون أقل من الساجدين وذلك لأن لكل ركعة سجدتين ثم إن كل راكع لا بد أن يسجد وقد يكون سجود ليس فيه ركوع كسجود التلاوة وسجود الشكر فهو هنا تدرج من القلة إلى الكثرة. ولهذا التدرج سبب اقتضاه المقام فإن الكلام على بيت الله الحرام. قال تعالى (وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود (125) البقرة) فالطائفون هم ألصق المذكورين بالبيت لأنهم يطوفون حوله، فبدأ بهم ثم تدرج إلى العاكفين في هذا البيت أو في بيوت الله عموما ثم الركع السجود الذين يتوجهون إلى هذا البيت في ركوعهم وسجودهم في كل الأرض. ونحوه قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون (77) الحج) فبدأ بالركوع وهو أقل المذكورات ثم السجود وهو أكثر ثم عبادة الرب وهي أعم ثم فعل الخير. وقد يكون الكلام بالعكس فيتدرج من الكثرة إلى القلة وذلك نحو قوله تعالى (يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين (43) آل عمران) فبدأ بالقنوت وهو عموم العبادة ثم السجود وهو أخص وأقل ثم الركوع وهو أقل وأخص. (1/316) ________________________________________ ومنه قوه تعالى (هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير (2) التغابن) فبدأ بالكفار لأنهم أكثر قال تعالى (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين (103) يوسف). ونحوه قوله تعالى (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير (32) فاطر) فقدم الظالم لكثرته ثم المقتصد وهو أقل ممن قبله ثم السابقين وهم أقل. جاء في الكشاف في هذه الآية فإن قلت : لم قدم الظالم ثم المقتصد ثم السابق؟ قلت للإيذان بكثر الفاسقين وغلبتهم وإن المقتصدين قليل بالإضافة إليهم والسابقون أقل من القليل.ألا ترى كيف قال الله تعالى في السابقين (ثلة من الأولين (13) وقليل من الآخرين (14) الواقعة) إشارة إلى ندرة وقلة وجودهم؟ قالوا: ومن هذا النوع من القديم قوله تعالى (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما (38) المائدة) قدم السارق على السارقة لأن السرقة في الذكور أكثر. وقدم الزانية على الزاني في قوله تعالى (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة (2) النور) لأن الزنى فيهن أكثر. ألا ترى أن قسما من النساء يحترفن هذه الفعلة الفاحشة؟ وجاء في حاشية ابن المنير على الكشاف قوله: وقدم الزانية على الزاني والسبب فيه أن الكلام الأول في حكم الزنى والأصل فيه المرأة لما يبدو من الإيماض والإطماع والكلام، ولأن مفسدته تتحقق بالإضافة إليها". وقد يكون التقديم لملاحظ أخرى تتناسب مع السياق فنراه يقدم لفظة في موضع ويؤخرها في موضع آخر بحسب ما يقتضي السياق. (1/317) ________________________________________ **فمن ذلك تقديم لفظ الضرر على النفع وبالعكس قاولا: إنه حيث تقدم لنفع على الضر فلتقدم ما يتضمن النفع. قال تعالى (قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله (188) الأعراف) فقدم النفع على الضرر وذلك لأنه تقدمه في قوله (من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون (178) الأعراف) فقدم الهداية على الضلال وبعد ذلك قال (ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون (188) ) فقدم الخير على السوء ولذا قدم النفع على الضرر إذ هو المناسب للسياق. وقال: (قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله (49) يونس) فقدم الضرر على النفع وقد قال قبل هذه الآية (ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون (11) يونس) وقال (وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون (12) يونس). فقدم الضر على النفع في الآيتين . ويأتي بعد هذه الآية قوله: (قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون (50) ) فكان المناسب تقديم الضرر على النفع ههنا. (1/318) ________________________________________ وقال: (قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا (16) الرعد) فقدم النفع على الضرر، قالوا: وذلك لتقدم قوله تعالى (ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال {س}(15) الرعد) فقدم الطوع على الكره. وقال: (فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا (42) سبأ) فقدم النفع على الضر قالوا: وذلك لتقدم قوله (قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين (39) سبأ) فقد البسط. وغير ذلك من مواضع هاتين اللفظتين. **ومن ذلك تقديم الرحمة والعذاب فقد قيل إنه حيث ذكر الرحمة والعذاب بدأ بذكر الرحمة كقوله تعالى (يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء (18) المائدة) وقوله (إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم (43) فصلت) وقوله (غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير (3) غافر) وعلى هذا جاء قول النبي - صلى الله عليه وسلم - حكاية عن الله تعالى :" إن رحمتي سبقت غضبي" (1/319) ________________________________________ وقد خرج عن هذه القاعدة مواضع اقتضت الحكمة فيها تقديم ذكر العذاب ترهيبا وزجرا. من ذلك قوله تعالى في سورة المائدة (ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء والله على كل شيء قدير (40) ) لأنها وردت في سياق ذكر قطاع الطرق والمحاربين والسراق كان المناسب تقديم ذكر العذاب وذلك أنها وردت بعد قوله تعالى (من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون (32) المائدة) فقدم القتل على الإحياء ثم قال بعدها (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم (33) ) ثم جاء بعدها (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم (38)) ثم جاء بعدها قوله تعالى (ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء والله على كل شيء قدير (40) )فأنت ترى أن المناسب ههنا تقديم العذاب على المغفرة. جاء في (الكشاف) في قوله تعالى (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) إلى قوله ( يعذب من يشاء ويغفر لمن (1/320) ________________________________________ يشاء ) "فإن قلت لم قدم التعذيب على المغفرة؟ قلت لأنه قوبل بذلك تقديم السرقة على التوبة". ومن ذلك قوله تعالى في سورة العنكبوت (يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون (21) ) وذلك لأنها في سياق إنذار ابراهيم لقومه ومخاطبة نمرود وأصحابه وأن العذاب وقع بهم في الدنيا. فقد أنذر ابراهيم قومه قائلا: (إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون (17) العنكبوت) ثم قال: (وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم وما على الرسول إلا البلاغ المبين (18) ) وهددهم بعد بقوله (والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب أليم (23) ) فأنت ترى أن السياق يقتضي تقديم العذاب هنا. وقد يكون التقديم والتأخير على نمط غير الذي ذكرت من تقديم الضرر والنفع والعذاب والمغفرة وغيرها من الخطوط العامة. فقد يقدم لفظة في مكان ويؤخرها في مكان آخر حسبما يقتضيه السياق. **فمن ذلك قوله تعالى (وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون (31) الأنبياء) وقوله (والله جعل لكم الأرض بساطا (19) لتسلكوا منها سبلا فجاجا (20) نوح) فقدم الفجاج على السبل في الآية الأولى وأخرها عنها في آية نوح وذلك أن الفج في الأصل هو الطريق في الجبل أو بين الجبلين، فلما تقدم في آية الأنبياء ذكر الرواسي وهي الجبال قدم الفجاج لذلك بخلاف آية نوح فإنه لم يرد فيها ذكر للجبال فأخرها. فوضع كل لفظة في الموضع الذي تقتضيه. (1/321) ________________________________________ **ومثل ذلك قوله تعالى (ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون (157) ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون (158) آل عمران) فقدم القتل على الموت في الآية الأولى وقدم الموت في الآية التي تليها وسبب ذلك والله أعلم أنه لما ذكر في الآية الأولى (في سبيل الله) وهو الجهاد قدم القتل إذ هو المناسب لأن الجهاد مظنة القتل، ثم هو الأفضل أيضا ولذا ختمها بقوله (لمغفرة من الله ورحمة) فهذا جزاء الشهيد ومن مات في سبيل الله. ولما لم يقل في الثانية (في سبيل الله) قدم الموت على القتل لأنه الحالة الطبيعية في غير الجهاد ثم ختمها بقوله (لإلى الله تحشرون) إذا الميت والمقتول كلاهما يحشره الله إليه. فشتان ما بين الخاتمتين. فلم يزد في غير الشهيد ومن مات في سبيل الله على أن يقول (لإلى الله تحشرون) وقال في خاتمة الشهيد (لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون) فوضع كل لفظة الموضع الذي يقتضيه السياق. (1/322) ________________________________________ ** وقال تعالى (أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون (27) السجدة) فقدم الأنعام على الناس. وقال في مكان آخر (وفاكهة وأبا (31) متاعا لكم ولأنعامكم (32) عبس) فقدم الناس على الأنعام وذلك لأنه لما تقدم ذكر الزرع في آية السجدة ناسب تقديم الأنعام بخلاف آية عبس فإنها في طعام الإنسان قال تعالى (فلينظر الإنسان إلى طعامه (24) أنا صببنا الماء صبا (25) ثم شققنا الأرض شقا (26) فأنبتنا فيها حبا (27) وعنبا وقضبا (28) وزيتونا ونخلا (29) وحدائق غلبا (30) وفاكهة وأبا (31) متاعا لكم ولأنعامكم (32) عبس) ألا ترى كيف ذكر طعام الإنسان من الحب والفواكه أولا ثم ذكر طعام الأنعام بعده وهو الأب أي التبن، فناسب تقديم الإنسان على الأنعام ههنا كما ناسب تقديم الأنعام على الناس ثم. فسبحان الله رب العالمين. (1/323) ________________________________________ ** ومن ذلك قوله تعالى (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم (151) الأنعام) وقوله (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا (31) الإسراء) فقدم رزق الآباء في الآية الأولى على الأبناء، وفي الثانية قدم رزق الأبناء على الآباء وذلك لأن الكلام في الآية الأولى موجه إلى الفقراء دون الأغنياء فهم يقتلون أولادهم من الفقر الواقع بهم لا أنهم يخشونه فأوجبت البلاغة تقديم عدتهم بالرزق تكميل العدة برزق الأولاد. وفي الآية الثانية الخطاب لغير الفقراء وهم الذين يقتلون أولادهم خشية الفقر لا أنهم مفتقرون في الحال وذلك أنهم يخافون أن تسلبهم كلف الأولاد ما بأيديهم من الغنى فوجب تقديم العدة برزق الأولاد فيأمنوا ما خافوا من الفقر. فقل: لا تقتلوهم فإنا نرزقهم وإياكم أي أن الله جعل معهم رزقهم فهم لا يشاركونكم في رزقكم فلا تخشوا الفقر. ** ومن ذلك قوله تعالى (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم (7) البقرة) وقوله (وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة (23) الجاثية) فقدم القلوب على السمع في البقرة وقدم السمع على القلب في الجاثية وذلك لأنه في البقرة ذكر القلوب المريضة فقال (في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا (10) ) فقدم القلوب لذلك. وفي الجاثية ذكر الأسماع المعطلة فقال (ويل لكل أفاك أثيم (7) يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم (8) الجاثية) فقدم السمع. فوضع كل لفظة في المكان الذي يناسبها. (1/324) ________________________________________ ثم إن آية البقرة ذكرت صنفين من أصناف الكافرين من هم أشد ضلالا وكفرا ممن ذكرتهم آية الجاثية فقد جاء فيها قوله تعالى (إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (6) ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم (7) البقرة) وجاء في الجاثية قوله (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون (23) ) فقد ذكر في البقرة أن الإنذار وعدمه عليهم سواء وأنهم ميؤوس من إيمانهم ولم يقل مثل ذلك في الجاثية. ثم كرر حرف الجر (على) مع القلوب والأسماع في آية البقرة مما يفيد توكيد الختم فقال (على قلوبهم وعلى سمعهم ) ولم يقل مثل ذلك في الجاثية بل انتظم الأسماع والقلوب بحرف جر واحد فقال (وختم على سمعه وقلبه). (1/325) ________________________________________ ثم قال في البقرة (وعلى أبصارهم غشاوة) بالجملة الإسمية والجملة الإسمية كما هو معلوم تفيد الدوام والثبات ومعنى ذلك أن هؤلاء لم يسبق لهم أن أبصروا وإنما هذا شأنهم وخلقتهم فلا أمل في إبصارهم في يوم من الأيام. في حين قال في الجاثية (وجعل على بصره غشاوة ) بالجملة الفعلية التي تفيد الحدوث ومعلوم أن (جعل) فعل ماض ومعنى ذلك أن الغشاوة لم تكن قبل الجعل يدلك على ذلك قوله تعالى (وأضله الله على علم ) مما يدل على أنه كان مبصرا قبل ترديه. ثم ختم آية البقرة بقوله (وله عذاب عظيم) ولم يقل مثل ذلك في آية الجاثية. فدل على أن صفات الكفر في البقرة أشد تمكنا فيهم. ولذا قدم ختم القلب على ما سواه لأنه هو الأهم فإن القلب هو محل الهدى والضلال وإذا ختم عليه فلا ينفع سمع ولا بصر قال تعالى (فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور (46) الحج). وقال - صلى الله عليه وسلم -: " ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب"؟ فكان تقديم القلب في البقرة أولى وأنسب كما أن تقديم السمع في الجاثية أنسب. (1/326) ________________________________________ ** ومنه قوله تعالى (لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين (68) النمل) وقوله (لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين (83) المؤمنون) فقدم (هذا) في الآية الأولى وأخرها في آية المؤمنون وذلك أن ما قبل الأولى (أئذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا لمخرجون (67) النمل) وما قبل الثانية (قالوا أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون (82) المؤمنون) فالجهة المنظور فيها هناك كونهم أنفسهم وآباؤهم ترابا. والجهة المنظور فيها هنا كونهم ترابا وعظاما. ولا شبهة أن الأولى أدخل عندهم في تبعيد البعث ذلك أن البلى في الحالة الأولى أكثر وأشد وذلك أنهم أصبحوا ترابا مع أبائهم. وأما في الآية الثانية فالبلى أقل وذلك أنهم تراب وعظام فلم يصبهم ما أصاب الأولين من البلى، ولذا قدم (هذا) في الآية الأولى لأنه أدعى إلى العجب والتبعيد. ** ومن ذلك قوله تعالى (ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل (102) الأنعام) وقوله (ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو فأنى تؤفكون (62) غافر) (1/327) ________________________________________ فأنت ترى أنه قدم في آية الأنعام (لا إله إلا هو) وأخر (خالق كل شيء) وفي غافر جاء بالعكس. وذلك أنه في سياق الإنكار على الشرك والدعوة إلى التوحيد الخالص ونفى الصاحبة والولد قال: (وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون (100) بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم (101) ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل (102) الأنعام). فأنت ترى أن الكلام على التوحيد ونفي الشرك والشركاء والصاحبة والولد ولذا قدم كلمة التوحيد (لا إله إلا هو ) على (خالق كل شيء) وهو المناسب للمقام. ثم انظر كيف قال (وخلق كل شيء) بعد قوله (أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة ) فأخر الخلق بعد التوحيد وهو نظير تأخيره بعد قوله (لا إله إلا هو ) فقال (لا إله إلا هو خالق كل شيء ) وهو تناظر جميل. (1/328) ________________________________________ أما في غافر فليس السياق كذلك وإنما هو في سياق الخلق وتعداد النعم قال تعالى (لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون (57)) إلى أن يقول (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين (60) الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون (61) ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو فأنى تؤفكون (62) ) فالكلام كما ترى عل الخلق وعلى نعم الله وفضله على الناس لا على التوحيد فقدم الخلق لذلك فوضع كل تعبير في موطنه اللائق حسب السياق. جاء في البرهان للكرماني قوله (ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء )في هذا السورة وفي المؤمن (خالق كل شيء لا إله إلا هو ) لأن فيها قبله ذكر الشركاء والبنين والبنات فدمغ قول قائله بقوله (لا إله إلا هو ) ثم قال (خالق كل شيء ). وفي المؤمن قبله ذكر الخلق وهو (لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ) فخرج الكلام على إثبات خلق الناس لا على نفي الشريك فقدم في كل سورة ما يقتضيه قبله من الآيات. ** ومن ذلك قوله تعالى (إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله (72) الأنفال) وقوله (الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون (20) التوبة) (1/329) ________________________________________ فقدم الأموال والأنفس على (في سبيل الله) في سورة الأنفال وقدم (في سبيل الله) على الأموال والأنفس في سورة التوبة، وذلك لأنه في سورة الأنفال تقدم ذكر المال والفداء والغنيمة من مثل قوله تعالى (تريدون عرض الدنيا (67) الأنفال) وهو المال الذي فدى به الأسرى أنفسهم وقوله (لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم (68) الأنفال) أي من الفداء وقوله (فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا (69) الأنفال) وغير ذلك فقدم المال ههنا، لأن المال كان مطلوبا لهم حتى عاتبهم الله في ذلك فطلب أن يبدأوا بالتضحية به. وأما في سورة التوبة فقد تقدم ذكر الجهاد في سبيل الله من مثل قوله تعالى (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين (14) )وقوله (أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون (16) ) وقوله (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين (19) ) فقدم ذكر (في سبيل الله) على الأموال والأنفس وهو المناسب ههنا للجهاد كما قدم الأموال والأنفس هناك لأنه المناسب للأموال. **ومنه قوله تعالى (وترى الفلك مواخر فيه (14) النحل) وقوله (وترى الفلك فيه مواخر (12) فاطر): (1/330) ________________________________________ قدم المواخر على الجار والمجرور في النحل وقدم (فيه) على مواخر في فاطر. وذلك أنه تقدم الكلام في النحل على وسائط النقل فذكر الأنعام وأنها تحمل الأثقال وذكر الخيل والبغال والحمير نركبها وزينة ثم ذكر الفلك وهي واسطة نقل أيضا فقال (وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (14) النحل) قدم المواخر لأنه من صفات الفلك وهذا التقديم مناسب في سياق وسائط النقل. وليس السياق كذلك في سورة فاطر وإنما قال الله تعالى (والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير (11) فاطر) ثم قال (وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (12) ) فالكلام هنا على البحر وأنواعه وما أودع الله فيه من نعم. فلما كان الكلام على البحر قدم ضمير البحر على المواخر فقال (وترى الفلك فيه مواخر). فانظر كيف أنه لما كان الكلام على وسائط النقل والفلك قدم حالة الفلك ولما كان الكلام على البحر ذكر ما يتعلق به. (1/331) ________________________________________ ** ومن ذلك قوله تعالى (ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا (89) الإسراء) وقوله (ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا (54) الكهف) قدم (للناس) على (في هذا القرآن) في الإسراء وأخرها في الكهف وذلك لأنه تقدم الكلام في الإسراء على الإنسان ونعم الله عليه ورحمته به فقال (وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر كان يئوسا (83) ) إلى أن يقول (ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا (86) إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرا (87) قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا (88) ) فناسب تقديم الناس في سورة الإسراء. ولم يتقدم مثل ذلك في سورة الكهف. ثم انظر في افتتاح كل من السورتين فقد بدأ سورة الكهف بقوله (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا (1) قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا (2) ) فقد بدأ السورة بالكلام على الكتاب وهو القرآن ثم ذكر بعده أصحاب الكهف وذكر موسى والرجل الصالح وذكر ذا القرنين وغيرهم من الناس، فبدأ بذكر القرآن ثم ذكر الناس فكان المناسب أن يتقدم ذكر القرآن على الناس في هذه الآية كما في البدء. (1/332) ________________________________________ وأما في سورة الإسراء فقد بدأت بالكلام على الناس ثم القرآن فقد بدأت بقوله تعالى (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله (1) )ثم تكلم على بني إسرائيل ثم قال بعد ذلك: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا (9) ) فكان المناسب أن يتقدم ذكر الناس فيها على ذكر القرآن في هذه الآية وهذا تناسب عجيب بين الآية ومفتتح السورة في الموضعين. ثم انظر خاتمة الآيتين فقد ختم آية الإسراء بقوله (فأبى أكثر الناس إلا كفورا (89) ) والكفور هو جحد النعم فناسب ذلك تقدم ذكر النعمة والرحمة والفضل ألا ترى مقابل الشكر الكفران ومقابل الشاكر الكفور قال تعالى (إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا (3) الإنسان) فكان ختام الآية مناسب لما تقدم من السياق. أما آية الكهف فقد ختمها بقوله (وكان الإنسان أكثر شيء جدلا (54) ) لما ذكر قبلها وبعدها من المحاورات والجدل والمراء من مثل قوله تعالى (فقال لصاحبه وهو يحاوره (34) ) وقوله (قال له صاحبه وهو يحاوره (37) ) وبعدها (ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق (56) ) وذكر محاورة موسى الرجل الصالح ومجادلته فيما كان يفعل. وقال (فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا (22) ) ولم يرد لفظ الجدل ولا المحاورة في سورة الإسراء كلها. فما ألطف هذا التناسق وما أجمل هذا الكلام!. (1/333) ________________________________________ ** ومن ذلك قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين (264) البقرة) وقوله (مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد (18) ابراهيم) فقال في آية البقرة (لا يقدرون على شيء مما كسبوا ) فقدم الشيء وأخر الكسب. وقال في سورة ابراهيم (لا يقدرون مما كسبوا على شيء ) فقدم الكسب وأخر الشيء وذلك أن آية البقرة قي سياق الإنفاق والصدقة والمنفق معط وليس كاسبا ولذلك أخر الكسب فقال (لا يقدرون على شيء مما كسبوا ) وأما الآية الثانية فهي في سياق العمل والعامل كاسب فقدم الكسب. ** ومن ذلك قوله تعالى (وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم (126) آل عمران) وقوله (إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام (11) الأنفال) فقدم القلب على الجار والمجرور في آل عمران فقال: (ولتطمئن قلوبكم به) وأخرها عنه في الأنفال فقال (ولتطمئن به قلوبكم) علما بأن الكلام على معركة بدر في الموطنين غير أن الموقف مختلف. (1/334) ________________________________________ ففي آل عمران ذكر معركة بدر تمهيدا لذكر موقعة أحد وما أصابهم فيها من قرح وحزن والمقام مقام مسح على القلوب وطمأنة لها من مثل قوله تعالى: (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين (139) إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين (140) آل عمران) إلى غير ذلك من آيات المواساة والتصبير فقال في هذا الموطن (وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به ) فذكر أن البشرى (لهم) وقدم (قلوبهم) على الإمداد بالملائكة فقال (إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به ) كل ذلك من قبيل المواساة والتبشير والطمأنة. (1/335) ________________________________________ ولما لم يكن المقام في الأنفال كذلك وإنما المقام ذكر موقعة بدر وانتصارهم فيها ودور الإمداد السماوي في هذا النصر وقد فصل في ذلك أكثر مما ذكر في آل عمران فقال (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين (9) وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم (10) إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام (11) إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان (12) ) أقول لما كان المقام مختلفا خالف في التعبير. أنه لما كان المقام في الأنفال مقام الإنتصار وإبراز دور الإمداد الرباني قدم (به) على القلوب والضمير يعود على الإمداد. ولما كان المقام في آل عمران هو الطمأنينة وتسكين القلوب قدمها على الإمداد فقال (ولتطمئن قلوبكم به ) وزاد كلمة (لكم) فقال (وما جعله الله إلا بشرى لكم ) زيادة في المواساة والمسح على القلوب فجعل كلا في مقامه. (1/336) ________________________________________ ** ومن ذلك قوله تعالى (إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم (173) البقرة) وقوله (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب (3) المائدة) وقوله (قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم (145) الأنعام) (1/337) ________________________________________ فقد قال في آية البقرة: (وما أهل به لغير الله ) فقدم (به) على (لغير الله) ومعنى (ما أهل به) : ما رفع الصوت بذبحه وهو البهيمة. وقال في آيتي المائدة والأنعام: (وما أهل لغير الله به ) فقدم (لغير الله) على (به) وذلك أن المقام في آية الإنعام هو في الكلام على المفترين على الله ممن كانوا يشرعون للناس بإسم الله وهم يفترون عليه فقال (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون (136) وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون (137) وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا يفترون (138) الأنعام) إلى غير ذلك من الآيات التي تبين أن ثمة ذوات غير الله تحلل وتحرم مفترية على الله، وذوات يزعمون أنها شركاء لله تعبد معه ونصيبها أكبر من نصيب الله في العبادة، ولذا قدم إبطال هذه المعبودات من غير الله على (ربه) فقال: (أو فسقا أهل لغير الله به ) لأنه هو مدار الإهتمام والكلام. (1/338) ________________________________________ والكلام في المائدة أيضا على التحليل والتجريم ومن بيده ذلك، ورفض أية جهة تحلل وتحرم من غير الله فإن الله هو يحكم ما يريد. قال (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد (1) يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا وإذا حللتم فاصطادوا ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب (2) حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم (3) يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن (1/339) ________________________________________ عليكم واذكروا اسم الله عليه واتقوا الله إن الله سريع الحساب (4) المائدة) فهو يجعل التحليل والتحريم بيده ويرفض أية جهة أخرى تقوم بذلك، لأن ذلك من الشرك الذي أبطله الإسلام ولذا قدمه في البطلان فقال (وما أهل لغير الله به ). ثم إنه جاء في الموطنين بذكر اسم الله على الذبائح فذكر في آية الأنعام أن المشركين لا يذكرون اسم الله على بعض ذبائحهم تعمدا فقال: (وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها ). وأمر في آية المائدة بذكر اسم الله فقال: (واذكروا اسم الله عليه ) فناسب ذلك تقديم بطلان ذكر غير الله. وأما في البقرة فليس المقام كذلك فلم يذكر أن جهة أخرى تقوم بالتحليل والتحريم وإنما الكلام على ما رزق الله عباده من الطيبات فقال: (يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا (168) البقرة). وقال بعدها: (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون (172) إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم (173) البقرة) فلما كان المقام مقام الرزق والطعام بأكل الطيبات قدم (به) والضمير يعود على ما يذبح وهو طعام مناسبة للمقام والله أعلم. (1/340) ________________________________________ **ومن ذلك قوله تعالى: (أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير (17) الملك) وقوله (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون (65) الأنعام) فقدم خسف الأرض على إرسال الحاصب في آية الملك وأخر العذاب عما يأتي من السماء في آية الأنعام. وذلك أن آية الملك تقدمها قوله تعالى (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور (15) الملك) فكأن أنسب شيء في الموعظة تذكيره بخسفها من تحتهم. أما آية الأنعام فتقدمها قوله تعالى (وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون (61) الأنعام) فصرف هذا الخطاب تفكر النفس في عين الجهة التي ذكر منها القهر، وكان أنسب شيء ذكر منها القهر وكان أنسب شيء ذكر التخويف من تلك الجهة بخلاف آية الملك. ومما زاد حسنا قوله تعالى (ويرسل عليكم حفظة) والحفظة: هم الملائكة، والملائكة مسكنهم في السماء، وربنا يرسلهم من فوق فناسب تقديم هذه الجهة على غيرها. (1/341) ________________________________________ ونكتفي بهذا القدر من الأمثلة فإن فيها كفاية فيما أحسب فهي تدل دلالة واضحة على أن التعبير القرآني تعبير مقصود كل لفظ فيه وضع وضعا فنيا مقصودا وأنه لم يقدم لفظة على لفظة إلا لغرض يقتضيه السياق. وقد روعي في ذلك التعبير القرآني كله ونظر إليه نظرة واحدة شاملة. وأظن أن ما مر من الأمثلة تريك شيئا من فخامة التعبير القرآني وعلوه وأن مثل هذا النظم لا يمكن أن يكون في طوق بشر فسبحان الله رب العالمين. (1) أمثلة أخرى على التقديم والتأخير تقديم وتأخير اللهو على اللعب في آية سورة العنكبوت كل الآيات في القرآن جاء اللعب مقدما على اللهو إلا في هذه الآية من سورة العنكبوت (وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون {64}). ولو لاحظنا الآية التي سبقت هذه الآية في نفس السورة (الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل شيء عليم {62}) والرزق ليس من مدعاة اللعب وإنما اللهو كما في قوله تعالى في سورة المنافقون (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون {9}). تقديم وتأخير كلمة (شهيدا) في آية سورة العنكبوت وآية سورة الإسراء قال تعالى في سورة العنكبوت (قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في السماوات والأرض والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون {52} ) وقال في سورة الإسراء (قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم إنه كان بعباده خبيرا بصيرا {96}) __________ (1) من كتاب التعبير القرآني للدكتور فاضل السامرائي. من صفحة 49 - 74) (1/342) ________________________________________ في آية سورة الإسراء ختم تعالى الآية بذكر صفاته (خبيرا بصيرا) لذا اقتضى أن يقدم صفته (شهيدا) على (بيني وبينكم)، أما في آية سورة العنكبوت فقد ختمت الآية بصفات البشر (أولئك هم الخاسرون) لذا اقتضى تقديم ما يتعلق بالبشر (بيني وبينكم) على (شهيدا). تقديم شبه الجملة (عليها زكريا) في قوله تعالى في سورة آل عمران (فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب {37}) قاعدة نحوية: يقول سيبويه في التقديم والتأخير: يقدمون الذي هو أهم لهم وهم أعنى به. والتقديم والتأخير في القرآن الكريم يقرره سياق الآيات فقد يتقدم المفضول وقد يتقدم الفاضل. والكلام في الآية في سورة آل عمران والآيات التي سبقتها في مريم عليها السلام وليس في زكريا ولا في المحراب لذا قدم عليها لأن الكلام كله عن مريم عليها السلام. تقديم وتأخير فوقكم والطور وكذلك قوله تعالى في الكلام عن بني إسرائيل والطور فقد قال تعالى في سورة البقرة (وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون {63}) وقال في سورة النساء (ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا وقلنا لهم لا تعدوا في السبت وأخذنا منهم ميثاقا غليظا {154}) وقال في سورة الأعراف (وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون {171}). (1/343) ________________________________________ من حيث التقديم والتأخير هو قائم على الإهتمام الذي يقتضيه سياق الآيات سواء كان ـفضل أو مفضول وإنما للأهمية. في سورة البقرة (ورفعنا فوقكم الطور) فوقكم أهم من الطور نفسه وكذلك في آية سورة النساء أما آية سورة الأعراف فالجبل أهم من فوقهم. في آية سورة الأعراف وصف تعالى الجبل كأنه ظلة وذكر (وظنوا أنه واقع بهم) ومعنى واقع بهم أي أوقع بهم أو أهلكهم وهذا كله له علاقة بالجبل فالجبل في الأعراف أهم. ولم يذكر عن الطور شيئا آخر في سورة البقرة أو النساء. آية البقرة والنساء يستمر الكلام بعد الآيات على بني إسرائيل حوالي أربعين آية بعد الآية التي جاء فيها ذكر الطور لذا قدم فوقهم في النساء وفوقهم في البقرة على الطور للأهمية. أما في سورة الأعراف فبعد الآية التي تحدث فيها عن الجبل انتهى الكلام عن بني إسرائيل ولم يذكر أي شيء عنهم بعد هذه الآية لذا قدم الجبل. والجبل : هو إسم لما طال وعظم من أوتاد الأرض والجبل أكبر وأهم من الطور من حيث التكوين. أما النتق فهو أشد وأقوى من الرفع الذي هو ضد الوضع. ومن الرفع أيضا الجذب والإقتلاع وحمل الشيء والتهديد للرمي به وفيه إخافة وتهديد كبيرين ولذلك ذكر الجبل في آية سورة الأعراف لأن الجبل أعظم ويحتاج للزعزعة والإقتلاع وعادة ما تذكر الجبال في القرآن في موقع التهويل والتعظيم ولذا جاء في قوله تعالى (ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين {143}) ولم يقل الطور. إذن النتق والجبل أشد تهديدا وتهويلا. (1/344) ________________________________________ تقديم وتأخير الأرض والسماء في قوله تعالى (وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء) وقوله (لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض) التقديم والتأخير في السماء والأرض: الكلام في سورة يونس عن أهل الأرض فناسب أن يقدم الأرض على السماء في قوله تعالى (وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء) أما في سورة سبأ فالكلام عن الساعة والساعة يأتي أمرها من السماء وتبدأ بأهل السماء (فصعق من في السموات والأرض) و(ففزع من في السموات ومن في الأرض) ولذلك قدم السماء على الأرض في قوله تعالى (لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض). واستخدمت السماء في سورة يونس لأن السياق في الإستغراق فجاء بأوسع حالة وهي السماء لأنها أوسع بكثير من السموات في بعض الأحيان. فالسماء واحدة وهي تعني السموات أو كل ما علا وفي سورة سبأ استخدم السموات حسب ما يقتضيه السياق. تقديم الأكل على الشرب في سورة مريم (فكلي واشربي وقري عينا) (1/345) ________________________________________ نلاحظ الآية قبلها في سورة مريم (فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا {24} وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا {25} فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا {26}). فقد وردت كلمة السري وهي تعني السيد وجمعها سراة أي السادة (ولا سراة إذا جهالهم سادوا)، وهي بمعنى أن الله تعالى قد جعلك تحتك سيدا. أما التقديم والتأخير في الأكل والشرب فنلاحظ أنه في القرآن كله حيثما اجتمع الأكل والشرب قدم تعالى الأكل على الشرب حتى في الجنة (كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية) وقوله (كلوا واشربوا من رزق الله) وكذلك في آية سورة مريم (فكلي واشربي وقري عينا) والسبب في ذلك أن الحصول على الأكل أصعب من الحصول على الشرب. ومثال آخر قوله تعالى سورة هود: (قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون {28} ) وقوله تعالى في سورة هود أيضا (قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من الله إن عصيته فما تزيدونني غير تخسير {63}). في الآية الأولى قدم الرحمة على الجار والمجرور، والآية تتكلم عن الرحمة (فعميت، أنلزمكموها، وأنتم لها كارهون) كلها تعود على الرحمة لذا اقتضى السياق تقديم الرحمة على الجار والمجرور. أما في الآية الثانية فالآية تتكلم عن الله تعالى (ربي، الله، منه، الضمير في عصيته) كلها تعود على الله تعالى لذا اقتضى السياق تقديم (منه) على الرحمة (1/346) ________________________________________ تقديم وتأخير الصابئين في آيتي سورة البقرة والمائدة قال تعالى في سورة البقرة (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون {62}) وقال في سورة المائدة (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابؤون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون {69}) الآيتان فيهما تشابه واختلاف وزيادة في إحداها عن الأخرى. (1/347) ________________________________________ في سورة البقرة قدم النصارى على الصابئين (النصب جاء مع العطف لتوكيد العطف)، وفي آية سورة المائدة قدم الصابئون على النصارى ورفعها بدل النصب. فمن حيث التقديم والتأخير ننظر في سياق السورتين الذي يعين على فهم التشابه والإختلاف، ففي آية سورة المائدة جاءت الآيات بعدها تتناول عقيدة النصارى والتثليث وعقيدتهم بالمسيح وكأن النصارى لم يؤمنوا بالتوحيد فيما تذكر الآيات في السورة (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار {72} لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم {73}) ثم جاء التهديد (وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم {73}) (ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون {75}) هذا السياق لم يذكر هذا الأمر في سورة البقرة وهكذا اقتضى تقديم الصابئين على النصارى في آية سورة المائدة. فلما كان الكلام في ذم معتقدات النصارى اقتضى تأخيرهم عن الصابئين. (1/348) ________________________________________ ولا هم يحزنون: بتقديم (هم) الذين يحزن غيرهم وليس هم. نفي الفعل عن النفس ولكنه إثبات الفعل لشخص آخر كأن نقول (ما أنا ضربته) نفيته عن نفسي وأثبت وجود شخص آخر ضربه (يسمى التقديم للقصر) أما عندما نقول (ما ضربته) يعني لا أنا ولا غيري. نفى الحزن عنهم وأثبت أن غيهم يحزن (أهل الضلال في حزن دائم). ولم يقل لا خوف عليهم ولا حزن لهم لأنها لا تفيد التخصيص (نفى عنهم الحزن ولم يثبته لغيرهم) ولو قال ولا لهم حزن لانتفى التخصيص على الجنس أصلا ولا ينفي التجدد وقوله تعالى (لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) لا يمكن أن يؤدي إلى حزن فنفى الخوف المتجدد والثابت ونفى الحزن المتجدد (لا هم يحزنون بمعنى لا يخافون) والثابت (لا خوف) ولا يمكن لعبارة أخرى أن تؤدي هذا المعنى المطلوب. تقديم وتأخير اللهو على التجارة في آية سورة الجمعة هذه الآية (وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين {11} ) نزلت بينما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يخطب بعد صلاة الجمعة فجاءت العير بتجارة وكانت سنة شديدة فانفض الناس بسبب التجارة وليس بسبب اللهو لأنه كان هناك غلاء في الأسعار فعندما نودي أن القافلة وصلت انفض الناس عن الرسول صلى الله عليه وسلم ولهذا قدم التجارة في أول الآية (وإذا رأوا تجارة). ثم في نهاية الآية قدم تعالى اللهو على التجارة لأنه ليس كل الناس ينشغلون بالتجارة عن الصلاة فكثير ينشغلون باللهو وما عند الله تعالى خير من اللهو ومن التجارة لذا قدم اللهو على التجارة. (1/349) ________________________________________ وقوله تعالى (والله خير الرازقين) لأن التجارة مظنة الرزق فوضع التجارة بجانب قوله تعالى (والله خير الرازقين) فليس لائقا ولا مناسبا أن يقول تعالى (الله خير الرازقين) بجانب اللهو وفي اللغة عادة تترقى من الأدنى إلى الأعلى فذكر الأدنى (اللهو) ثم الأعلى (التجارة). وهناك أمر آخر وهو تكرار (من) في قوله تعالى (من اللهو ومن التجارة) لأنه لو قال (من اللهو والتجارة) لأفاد أن الخيرية لا تكون إلا باجتماعهما أي اللهو والتجارة أما قوله تعالى (من اللهو ومن التجارة) فهي تفيد أن الخيرية من اللهو على جهة الإستقلال ومن التجارة على جهة الإستقلال أيضا فإن اجتمعا زاد الأمر سوءا. تقديم الرحيم على الغفور في سورة سبأ وقد وردت في باقي القرآن الغفور الرحيم لو قرأنا الآية في سورة سبأ (الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير {1} يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور {2}) لم يتقدم الآية ما يخص المكلفين أبدا والمغفرة لا تأتي إلا للمكلفين والمذنبين الذين يغفر الله تعالى لهم وإنما جاء ذكرهم بعد الآيتين الأولى والثانية لذا اقتضى تأخير الغفور لتأخر المغفور لهم في سياق الآية. أما في باقي سور القرآن الكريم فقد وردت الغفور الرحيم لأنه تقدم ذكر المكلفين فيذنبون فيغفر الله تعالى لهم فتطلب تقديم المغفرة على الرحمة. تقديم الإنس على الجان في آية سورة الرحمن (لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان) قال تعالى في سورة الرحمن (فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان {56}) ، والإنسان عادة تعاف نفسه المرأة إذا طمثها إنسي لذلك تقدم ذكر الإنس لكن إذا عاشرها جان ليس لها نفس الوقع كالإنسي. (1/350) ________________________________________ تقديم (ما تسبق من أمة أجلها) على (ما يستأخرون) في آية سورة الحجر والمؤمنون قال تعالى في سورة الحجر (ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون {5}) وقال في سورة المؤمنون (ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون {43}) بتقديم (ما تسبق) على (ما يستأخرون) أما في سورة الأعراف فقد جاءت الآية بقوله (ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون {34}) بتقديم (لا يستأخرون) على (لا يستقدمون). وإذا لاحظنا الآيات في القرآن نجد أن تقديم (ما تسبق من أمة أجلها) على (وما يستأخرون) لم تأت إلا في مقام الإهلاك والعقوبة. تقديم وتأخير كلمة ( تخفوا ) في آية سورة البقرة وسورة آل عمران قال تعالى في سورة البقرة (لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير {284}) وقال في آل عمران (قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السماوات وما في الأرض والله على كل شيء قدير {29}). المحاسبة في سورة البقرة هي على ما يبدي الإنسان وليس ما يخفي ففي سياق المحاسبة قدم الإبداء أما في سورة آل عمران فالآية في سياق العلم لذا قدم الإخفاء لأنه سبحانه يعلم السر وأخفى. تقديم الشتاء على الصيف والجوع على الخوف في سورة قريش (1/351) ________________________________________ قال تعالى في سورة قريش (لإيلاف قريش {1} إيلافهم رحلة الشتاء والصيف {2} فليعبدوا رب هذا البيت {3} الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف {4} ) والمعروف أن حاجة الإنسان للطعام في الشتاء أكثر من الصيف والخوف في الصيف أكثر لأنه فيه يكثر قطاع الطرق والزواحف لذا قدم تعالى الشتاء والخوف على الصيف والجوع وقال أيضا أطعمهم ولم يقل أشبعهم لأن الإطعام أفضل من الإشباع. ولقد جاءت سورة قريش بعد سورة الفيل للتركيز على الأمن في البيت الحرام بعد عام الفيل. تقديم البصر على السمع في آية سورة الكهف وآية سورة السجدة قال تعالى في سورة الكهف (قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض أبصر به وأسمع ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا {26}) وقال في سورة السجدة (ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون {12}) والمعلوم أن الأكثر في القرآن تقديم السمع على البصر لأن السمع أهم من البصر في التكليف والتبليغ لأن فاقد البصر الذي يسمع يمكن تبليغه أما فاقد السمع فيصعب تبليغه ثم إن مدى السمع أقل من مدى البصر فمن نسمعه يكون عادة أقرب ممن نراه، بالإضافة إلى أن السمع ينشأ في الإنسان قبل البصر في التكوين. أما لماذا قدم البصر على السمع في الآيتين المذكورتين فالسبب يعود إلى أنه في آية سورة الكهف الكلام عن أصحاب الكهف الذين فروا من قومهم لئلا يراهم أحد ولجأوا إلى ظلمة الكهف لكيلا يراهم أحد لكن الله تعالى يراهم في تقلبهم في ظلمة الكهف وكذلك طلبوا من صاحبهم أن يتلطف حتى لا يراه القوم إذن مسألة البصر هنا أهم من السمع فاقتضى تقديم البصر على السمع في الآية. . |
|
|
|
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدلالية (Tags) |
| لمسات, بيانية |
|
|